شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

احترس... الأدوية سلاح ذو حدين

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالدواء مادة تستعمل في معالجة الأمراض أو تخفيف أعراضها أو الوقاية منها، وأنواع الأدوية كثيرة، وهي متنوعة ومختلفة في تأثيراتها على الجسم، فمنها ما يساعد على حدوث الحمل، ومنها ما يمنعه، ومنها ما يسبب ارتفاع ضغط الدم المنخفض، ومنها ما يمنع ارتفاع الضغط، ومنها ما يسبب القيء ومنها ما يمنعه، وهكذا...

والأدوية بعد ذلك تمتاز بالتفاوت الكبير في جرعاتها، فهناك أدوية جرعاتها تحسب بالجرامات، وهناك أدوية تقدَّر جرعاتها بالمليجرامات، والجرام الواحد يساوي ألف مليجرام.

وهذا التنوع الهائل في الأدوية -وهي بالآلاف- على اختلاف تأثيراتها وجرعاتها تتطلب دراسة كاملة لها من جانب مَن يتعامل معها؛ وإلا أضر بصحة الأبدان ضررًا بليغًا وهو لا يدري، ومن المعروف: أن اكتشاف دواء جديد وإعداده للتداول في الأسواق يكون بعد جهودٍ كبيرةٍ، ولسنواتٍ طويلةٍ من البحث والدراسة تتكلَّف أموالًا طائلة من أجل التعرُّف على كل كبيرة وصغيرة تتعلق بخصائص الدواء الجديد، وتأثيراته الإيجابية والسلبية، وجرعاته الفَعَّالة وجرعاته الضارة، إلى جانب التعرف على تفاعلاته مع الأدوية الأخرى المستخدمة في الأسواق من قبل على كثرتها؛ لأنها قد تزيد أو تقلل من تأثير وفاعلية هذا الدواء الجديد أو الأدوية الأخرى المستخدمة في الأسواق من قبله، وهذه أمور معرفتها بالطبع في غاية الأهمية، وينبغي التنبُّه لها مِن قِبَل كل مَن يتعامل مع أي دواء ظهر حديثًا في سوق الأدوية.

وهذه الجهود العلمية المكثَّفة يشارك في القيام بدراستها وبحثها العديد والعديد مِن العلماء والباحثين من تخصصات مختلفة يكمل بعضها بعضًا؛ فلا غرابة بعدها أن تبلغ تكلفة هذه الدراسات والأبحاث الدوائية أرقامًا خيالية تفوق تصور الكثيرين، وكم مِن أدوية ثبتت صلاحياتها وفاعليتها في علاج مرض، بل عِدَّة أمراض، ولكن يضطر العلماء والأطباء إلى اتخاذ القرار بمنع استخدامها وتداولها في الأسواق على الرغم مِن أهميتها العلاجية، وعلى الرغم من كل ما بذل من جهود لدراستها، وعلى الرغم من كل ما أُنفِق من أموال طائلة للتعرف عليها وعلى خصائصها وتأثيراتها؛ وذلك لما ثبت علميًّا من أضرارها الجسيمة وسلبياتها العديدة التي تجعل مخاطر منافعها أكبر مِن فوائدها ومنافعها، بل وكم مِن أدوية كانت متداولة في الأسواق تم إيقاف تداولها بعد أن ظهرت منها عمليًّا -مع استعمالها لفتراتٍ- أضرار خطيرة لم تكن معروفة عنها من قبل تفوق نفعها، أو لاكتشاف نوعية أخرى من الدواء أقوى وأفضل منها نفعًا وتأثيرًا، أو أقل منها ضررًا، والأمثلة على ذلك عبر عشرات السنين أكثر من أن تحصى وتعد.

ومما يجب التنبه إليه أيضًا: أن الأدوية المتداولة في الأسواق تحتاج إلى الدقة في تعيين مقدار جرعاتها المثالية للمريض بحسب نوع المرض وشدته، فلكل دواء جرعته الفعالة التي إذا استعملت جرعة أقل منها لا تحدث في المريض التأثير المرجو للدواء، وإن استعملت جرعة أكبر منها ازدادت المضاعفات الجانبية للدواء، بل ربما سببت الجرعات الزائدة صورًا من التسمم الخطيرة التي تهدد حياة المريض إذا لم يتم التعامل السريع معها.

وتقدير الجرعة التي يحتاجها المريض من الدواء فعليًّا للشفاء يخضع لاعتباراتٍ أخرى عديدة، منها: وضع المريض الصحي، ووزنه، وشدة مرضه، وكذلك ما يستخدمه من أدوية علاجية أخرى يحتاج إليها بصورة مزمنة أو طارئة؛ إضافة إلى وجود اختلافات في جرعات نفس الدواء باختلاف مراحل عمر المريض المحتاج للدواء، فمن الأدوية ما لا يصلح للأطفال في أعمار معينة، ومنها ما لا يصلح لكبار السن في أعمار معينة، ومنها ما لا يجوز إعطاؤه للحامل أو المرضع.

وهذا باب واسع يهتم جدًّا بدراسته وبعناية كل الأطباء والصيادلة؛ كلٌّ في تخصصه، وربما كان الفارق بين جرعة الدواء الفعالة وجرعة نفس الدواء التي تحدث التسمم فارقًا ضئيلًا، ومع عدم تنبُّه متناول الدواء إلى هذا الفارق الضئيل يتحول الدواء الذي يتناوله إلى سمٍّ قاتلٍ يتعاطاه وهو لا يدري، وكثيرًا ما تَستقبِل المستشفيات حالات تسمم بتناول جرعة زائدة من الدواء خطأ، أو تعمدًا على سبيل الانتحار.

إذا علمنا ذلك؛ فلن نجد غرابة إذا وجدنا نفس الطبيب يصف لمرضاه الذين يعانون من نفس المرض وصفات أدوية تختلف في أسماء الأدوية، أو جرعاتها، أو كمية وكيفية ومدة تناولها من مريضٍ لآخر، مع اشتراكهم جميعًا في نفس التشخيص للمرض.

وإذا علمنا ذلك؛ أدركنا -وبوضوح- خطأ، بل خطورة أن يستعمل المريض دواءً مِن قِبَل نفسه، أو عن طريق صديق له، أو جار، أو قريب؛ حتى وإن كان يعلم تشخيص حالته المرضية، ويعلم استخدامات بعض الأدوية التي بين يديه، فما بالك بمن لا يعلم حقيقة تشخيص مرضه، أو لا يعرف تفاصيل تأثير ما بين يديه من أدوية!

وإذا علمنا ذلك؛ علمنا أيضًا مدى أهمية أن يُطلِع المريض طبيبه المعالج على ما يستعمله ويستخدمه من أدوية أخرى لأمراض أخرى -مزمنة كانت أو طارئة- يعاني منها؛ حتى يجنِّبَ الطبيب المعالج الوقوع في كتابة ما يضاد هذه الأدوية التي يستخدمها، أو وصف ما لا يلائمها من أدوية أخرى وهو لا يدري.

وللأسف فإن هذه الحقائق على بساطتها وأهميتها تغيب عن أذهان الكثيرين، ويتسبب الجهل بها أو تجاهلها أو عدم مراعاتها في الوقوع في أخطاء تؤثِّر على سلامة الكثيرين، وهي أخطاء كان يمكن بالطبع تجنبها بسهولة؛ هذا إلى جانب إهدار أموال طائلة في أدوية يتم تعاطيها على وجه الخطأ فلا يستفاد منها بشيء، بل ربما تنفق أموال أخرى بعدها في علاج نتائج هذه الأخطاء ومضاعفاتها.

ونضرب لك عزيزي القارئ بعض الأمثلة العملية على أدوية اشتهر بين الناس تناولها بدون استشارة طبية، وينتج عنها من الأضرار ما لا يحمد عقباه:

الصفحة التالية