احترس... الأدوية سلاح ذو حدين
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
فالأسبرين والأدوية المضادة لالتهابات المفاصل والعظام يتسبب سوء استعمالها في حدوث التهابات وتقرحات بالمعدة قد تؤدي إلى حدوث قرحة بالمعدة بمضاعفاتها الخطيرة: كالقيء، أو النزيف الذي يهدد حياة المريض، وأدوية أمراض القلب والأدوية الأوعية الدموية يسبب سوء استعمالها حدوث انخفاض في ضغط الدم أو اضطراب في ضربات القلب بما يهدد حياة المريض.
أما استعمال الحامل للأدوية بدون استشارة طبيب؛ فيعرِّض جنينها لخطر التشوهات الخلقية أو الموت قبل أو أثناء أو بعد الولادة، وكذلك المرضع تعرض رضيعها لأضرار ومخاطر جسيمة بسبب تناول بعض الأدوية الممنوع على المرضع تناولها، والتي تنتقل عبر لبن الرضاعة من الأم إلى رضيعها فتؤذيه.
أما استخدام بعض الأدوية المضادة للحساسية؛ فيتسبب في الارتفاع المفاجئ الشديد لضغط الدم ومضاعفاته التي قد تودي بحياة المرضى.
أما استخدام مرضى حساسية صدر للأدوية المضادة للالتهابات الروماتيزمية فيعرض هؤلاء المرضى لنوبات صدرية جديدة؛ نظرًا لما تحدثه هذه الأدوية من ضيق في الشُّعُب الهوائية بالرئتين.
خطورة سوء استعمال المضادات الحيوية:
أصبح سوء استعمال المضادات الحيوية المنتشر حاليًا خطرًا كبيرًا يهدِّد استمرار الحياة البشرية بأسرها، فبعد أن كان لاكتشاف المضادات الحيوية بأنواعها المختلفة واستخداماتها الواسعة من منتصف القرن العشرين ولعقود عديدة أثره الكبير في القضاء على بكتيريا الأمراض المختلفة حتى صارت المضادات الحيوية ركنًا أساسيًّا في الطب في العصر الحديث، ونقطة تحول كبيرة في العلاج الفعَّال بالأدوية للأمراض -الخطيرة منها والبسيطة على السواء-، فسينقلب الحال تمامًا في المستقبل القريب؛ إذ إننا أصبحنا على مشارف مرحلة (ما بعد المضادات الحيوية) التي ستفقد فيها هذه المضادات الحيوية تأثيرها الفعال على البكتيريا، وبالتالي زوال قدرتها الحالية على القضاء على بكتيريا الأمراض المختلفة.
ويرجع السبب في ذلك إلى: سوء استعمال المضادات الحيوية المنتشر بيننا بصورة غير مقبولة ولا معقولة؛ مما أعطى -ويعطي- الفرصة بعد الفرصة لبكتريا الأمراض للتغلب على هذه المضادات الحيوية، وتكوين سلالات جديدة من هذه البكتيريا لا تؤثر فيها المضادات الحيوية بأنواعها، ليقف الطب أمام تلك السلالات المقاومة للمضادات الحيوية مرة أخرى عاجزًا من جديد عن التصدي لها والتعامل معها، بما سيهدد حياة مئات الملايين من المرضى في المستقبل، ويعود بنا إلى أجواء ما قبل اكتشاف المضادات الحيوية وتأثيرها الفعال والقوي في القضاء على البكتريا، حيث كانت الأمراض الشرسة تفتك من وقت لآخر بعشرات الملايين من البشر، وتنتشر بسرعة في البلاد الموبوءة انتشار النار في الهشيم حتى أوقف اكتشاف المضادات الحيوية بفضل الله تعالى خطرها.
وقد أكَّدت الأبحاث والدراسات التي أجريت في مراكز الأبحاث العالمية المتعلقة بظهور مقاومة من سلالات البكتريا للمضادات الحيوية ونشرت نتائجها في الدوريات العلمية: أن الاستعمال الخاطئ للمضادات الحيوية يكسب البكتريا مقاومة لتلك المضادات تنتقل إلى سلالاتها، فتعطيها قدرة فائقة على عدم التأثر بها مما يفقد هذه المضادات أهميتها في معالجة الأمراض التي تسببها هذه البكتريا، وتتوقع هذه الدراسات أنه في خلال عقدين أو ثلاثة سينتهي بالفعل الدور الذي تقوم به المضادات الحيوية حاليًا؛ مما يعرِّض حياة عشرات الملايين من المرضي للخطر الداهم والموت في مواجهة الأمراض الشديدة التي يتعرضون لها، ما لم تتوقف ظاهرة سوء استعمال المضادات الحيوية، أو ينجح العلم في الوصول إلى طرق أخرى بديلة للقيام بدور هذه المضادات الحالي في القضاء على بكتريا.
وبيَّنت تلك الأبحاث والدراسات: أن مرجعَ اكتساب البكتيريا للقدرة على مقاومة المضادات الحيوية إلى وجود البلازميدات في الحمض النووي (دي إن أيه) للبكتريا، وهذه البلازميدات هي جزئيات دائرية صغيرة من الحمض النووي تتواجد بشكلٍ كبيرٍ في البكتريا، وهي منفصلة عن الكروموسوم البكتيري الرئيسي، وتتميز بأن بها جينات إضافية غير أساسية، أي: أن عدم وجود هذه الجينات الإضافية لا يؤدي إلى فناء البكتريا أو منع تكاثرها، ولكنها تساعد على تحسين صفات البكتيريا، ويعود انتقال وانتشار صفات وراثية جديدة تكتسبها خلية بكتيرية معينة على شكل طفرة أو تحور أو نحو ذلك إلى بقية خلايا البكتيريا لتكتسب بقية الخلايا في أنواع البكتيريا إلى هذه البلازميدات، التي تعد أداة أساسية في نقل الجينات من وإلى الكائنات بعضها ببعض ومنها بالطبع البكتيريا.
وبيَّنت الدراسات والأبحاث: أن بلازميدات البكتيريا تحتوي على جين (إم سي أر 1) الذي يمنح البكتيريا صفة القدرة على مقاومة تأثير المضادات الحيوية مهما كانت قوتها، وبالتالي إمكانية إنتاج سلالات جديدة من البكتيريا تحمل هذه الخاصية، وهذا ينذر بظهور أنواع كثيرة من البكتريا القادرة على مقاومة جميع أنواع المضادات الحيوية المعروفة.
وهذا الأمر يعد كارثة بكلِّ المقاييس لا تهدد حياة الإنسان في المستقبل فحسب؛ إذ إن هناك مضادات حيوية تستخدم في مقاومة العديد من الآفات والأمراض الزراعية، التي لو تركت بلا مقاومة لتكبَّدت الزراعة خسائر ضخمة من جهة، وأثَّرت على الإنسان وعلى الثروة الحيوانية من جهة أخرى، إذ تنقل بالتناول لها ميكروبات أمراضها للإنسان والحيوان، فإذ لم تعد المضادات الحيوية صالحة لمقاومة الآفات انتشرت هذه الآفات في النباتات والمزروعات، وهددت حياة الإنسان وهددت الثروة الحيوانية.
