شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

حرب (العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر) كأنك تراها (1)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

كانت مصر بعد هزيمة حرب 1967 في وضع سيئ للغاية؛ إذ فقدت مصر قواتها البرية في الحرب، وفقدت أيضًا 80 % من قواتها الجوية، وأصبحت في حاجة ماسة لإعادة تسليح وبناء هاتين القوتين من جديد، في وقتٍ استنزفت حرب اليمن التي خاضتها مصر لمدة خمس سنوات -من عام 1962 م حتى عام الحرب 1967- الاقتصاد المصري، وقد ترتَّب على احتلال إسرائيل لسيناء أيضًا فقد مصر لإيرادات بترول سيناء بعد احتلال العدو لسيناء، وفقدها لإيرادات قناة السويس بعد توقف الملاحة بها، إلى جانب ما كانت تتعرض له من آن لآخر مدن القناة الثلاث الرئيسية: "السويس والإسماعيلية وبورسعيد" من اعتداءات إسرائيلية وحشية ترتَّب عليها إخلاء المدن الثلاث وتهجير نحو مليون من سكانها إلى داخل مدن ومحافظات مصر الأخرى، إلى جانب الحاجة الضرورية والملحة التي استجدت لبناء قواعد صواريخ دفاع جوي قوية للتصدي ومنع اعتداءات الطيران الإسرائيلي شرق القناة وضربها لأهداف مدنية، كما حدث في ضرب طيران العدو لمدرسة بحر البقر الابتدائية، ولمصنع أبي زعبل، ولنجع حمادي، وهي تحديات كبيرة للغاية؛ خاصة مع عدم القدرة على الحصول على التسليح اللازم من الدول الغربية، وتعنت الاتحاد السوفيتي في إمداد مصر بكل ما تطلبه وتحتاجه من السلاح؛ خاصة الأسلحة الهجومية، وهو ما دفع السادات رئيس مصر في آخر الأمر إلى طرد المستشارين العسكريين والخبراء السوفييت من مصر عام 1972، بما يعني تحمل مصر بمفردها عبء الإعداد والتخطيط والتنفيذ لأي حربٍ قادمةٍ لتحرير سيناء دون أي مساعدة أو معاونة من أحدٍ، وهو ما وقع بالفعل وكان، ولكن بتضحيات جسام وجهود جادة مخلصة فاقت كل هذه التحديات، وتجاوزت كل التوقعات.

وعلى الجانب الآخر: قامت قوات الاحتلال الإسرائيلية بإنشاء سلسلة قوية من الحصون العسكرية، مكوِّنة شبكة متكاملة من المنشآت الدفاعية على طول الشاطئ الشرقي لقناة السويس، بطول 160 كيلو متر من بور فؤاد شمالًا إلى رأس مسلة على خليج السويس جنوبًا، وبعمق ما بين 30 و35 كيلو متر شرق القناة بما يغطي مساحة تبلغ نحو 5000 كيلو متر مربع، تضم ملاجئ محصنة وحقول ألغام مضادة للأفراد، ومواقع تجمع للقوات المدرعة، وقواعد للصواريخ إلى جانب مواقع للمدفعية بعيدة ومتوسطة المدى، ترتبط جميعها بشبكة طرق كبيرة بطول 750 كيلو متر، وقد أطلق على هذه التحصينات القوية اسم: (خط بارليف)، نسبة إلى الجنرال بارليف صاحب فكرة إنشاء هذه التحصينات.

ويزيد الأمر صعوبة: وجود قناة السويس نفسها كفاصل مائي يعد بمفرده مانعًا طبيعيًّا صعبًا تحتمي خلفه قوات العدو شرق القناة، وقد قام جيش الاحتلال الإسرائيلي ببناء ساتر ترابي ضخم على طول الضفة الشرقية للقناة بارتفاع ما بين 20 و25 متر لإخفاء التحركات الإسرائيلية خلفه، وقد تم بناؤه بانحدار وميل يصعب معه تسلق الأفراد له، ويستحيل اقتحام المركبات البرمائية له إذا عبرت القناة. وعرض الساتر يسمح بوجود مصاطب فوقه تتقدم إليها الدبابات عند قصف غرب القناة، مع وجود قضبان حديدية أمام النقاط الحصينة تسمح بتحرك مدافع قوية عليها تشارك في قصف غرب القناة ثم العودة للاختباء في حصونها.

وقد تحمل المصريون في تلك الفترة الزمنية القصيرة بصبر وجلد تحديات استعداد واستيعاب القوات المصرية التام لخوض حرب من نوعية جديدة، حرب إلكترونية حديثة في مواجهة التسليح الإسرائيلي الذي يمتلك أحدث ما وصلت إليه ترسانة الأسلحة الأمريكية الحديثة المتقدمة، والتي زودت بها أمريكا إسرائيل بلا حدود أو تحفظ.

كيف تغلب المصريون على الساتر الترابي؟

كان الساتر الترابي وقناة السويس أمامه، وحصون خط بارليف خلفه، ثلاثة عوائق كبيرة على طول جبهة القتال تمنع نجاح أي عبور للقوات المصرية ودخولها أرض سيناء.

ونظرًا لارتفاع الساتر الترابي وضخامته، وشدة انحدار ميله؛ فقد كانت محاولات التغلب عليه بضربه بالمدافع أو الصواريخ أو نسف أجزاء منه بالديناميت عند محاولة العبور -وهي الطرق التقليدية للتغلب عليه- غير مضمونة النتائج، وتحتاج لوقت طويل إلى جانب أنها مكلفة، وقد تتسبب في خسائر بشرية.

وقد تغلب المصريون بعد طول مناقشة وتفكير على هذه المعضلة بفكرة تجريف رمال الساتر الترابي باستخدام مدافع قوية لضخ المياه بقوة، وفتح الثغرات في الساتر بها، وهي الفكرة التي تقدم بها ضابط مهندس باقي زكي يوسف، وأثبتت التجارب فاعليتها، ونجحت عند العبور في تحقيق الهدف منها.

وباقي زكي يوسف مصري نصراني من مواليد 23 يوليو 1931، تخرَّج من كلية الهندسة جامعة عين شمس قسم ميكانيكا عام 1954، والتحق بالعمل في القوات المسلحة في ديسمبر 1954، وانتدب للعمل في بناء السد العالي في مايو 1964 ثم عاد إلى الجيش بعد هزيمة 1967، وعُيِّن رئيسًا لفرع المركبات برتبة مقدم في الفرقة 19 مشاة الميكانيكية، وكان خلال عمله في مشروع بناء السد العالي في محافظة أسوان قد شاهد عملية إزالة عدة جبال من الرمال والأتربة باستخدام المياه المضغوطة ثم سحبها وشفطها في أنابيب لاستغلالها في بناء السد العالي، فتقدَّم بهذه الفكرة لاستخدامها في تجريف الساتر الترابي، وقد قام المهندس زكي وبعض زملائه بتصميم وتصنيع طلمبات ضغط عالي توضع على عائمات لتحمل في مياه القناة وتنطلق منها المياه من خلال مدافع مائية فائقة القوة في إمكانها إزالة أي عائق أمامها في زمن قصير، وبأقل تكلفة ممكنة وبدون خسائر بشرية.

وقد أجريت التجارب العملية على تلك الفكرة على ساتر ترابي مشابه في جزيرة البلاح بالإسماعيلية، وثبتت فاعليتها، وقد صنعت هذه المدافع في شركة ألمانية بعد إقناع مسئوليها بأنها ستستخدم في مجال إطفاء الحرائق، وأجريت عليها مئات التجارب على هذه المدافع من سبتمبر 1969 وحتى إقرارها للتنفيذ في 1972، وحققت نجاحها الباهر بالفعل في يوم العبور.

وقد منح الرئيس السادات نوط الجمهورية العسكري من الطبقة الأولى للمهندس باقي زكي يوسف تكريمًا له في عام 1974، كما منحه الرئيس مبارك وسام الجمهورية من الطبقة الثانية في أول يوليو عام 1984 بمناسبة تقاعده عن الخدمة العسكرية بعد أن أمضى خمس سنوات وهو على رتبة لواء.

الصفحة السابقة الصفحة التالية