شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

حرب (العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر) كأنك تراها (1)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

يوم العاشر من رمضان (1)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فبعد مضي نصف قرن هجري من الزمان على حرب العاشر من رمضان 1393 إلى رمضان 1443 هـ - السادس من أكتوبر، رَحَل -أو يكاد- مَن حضروا هذه الحرب أو عاصروها؛ فلزم علينا أن نذكِّر الأجيال الجديدة بهذه الحرب المجيدة، وما قدَّم المصريون فيها من تضحيات وما بذلوه من جدٍّ واجتهاد في قوة تحمُّل وصبر، وإخلاص وصدق حقَّقوا به مجدًا كبيرًا في ظروف أسوأ وأصعب بكثيرٍ مِن الظروف التي نعاني منها حاليًا؛ إنها روح العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر التي نفتقدها الآن، ونحن أحوج ما نكون إليها.

يوم العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر (1):

كانت ساعة الصفر لبداية حرب العاشر من رمضان 1393 هـ، الموافق للسادس من أكتوبر 1973م هي الساعة الثانية ظهرًا، وكانت البداية مع الضربة الجوية.

الضربة الجوية:

وفيها انطلقت 220 طائرة مصرية دفعة واحدة عابرة قناة السويس متجهة إلى سيناء لضرب ثلاثة مراكز قيادة، وثلاث قواعد جوية للعدو، وعشرة مواقع صواريخ دفاع جوي، وعدد من محطات الرادار ومرابض مدفعية بعيدة المدى.

ولمفاجأة العدو ولتجنب اكتشاف راداراته للطائرات المصرية؛ كان لزامًا دخول هذه الطائرات أرض سيناء على أقل ارتفاع ممكن، وهذا يحتاج إلى براعة كبيرة وجرأة لا تكون إلا بعد إعداد وتدريب قوي؛ فقد كانت المقاتلات المصرية تطير في ارتفاع يوازي ارتفاع أعمدة الإنارة؛ لذا لم يشعر العدو بدخولها لسيناء، ولم يعرف العالم بأمر هذه الغارة الجوية إلا بعد إعلان البيان العسكري المصري عنها أولًا.

وتعد هذه الضربة الجوية المكثفة هي الأولى من نوعها في التاريخ العربي، والأقل في الخسائر بالمقارنة بمثيلاتها من الغارات في تاريخ الحروب العالمية والإقليمية، وكانت التوقعات فقد 25 % من الطائرات المغيرة حال اكتشاف العدو للطائرات والتعامل معها، فجاءت خسائر الغارة نحو 2% فقط من الطائرات المغيرة، وكان التخطيط توجيه ضربة جوية ثانية للأهداف السابقة في الساعة الرابعة بعد تقييم نتائج الضربة الأولى ومدى نجاحها في تحقيق أهدافها؛ ولأن الأهداف المطلوبة دمرت بالفعل في الضربة الجوية الأولى تقرر العدول عن توجيه الضرب الجوية الثانية.

دخلت الطائرات المغيرة سيناء من فوق قناة السويس، ولكن كان خروجها من سيناء بعد أداء مهمتها من الأجناب؛ أي: فوق خليج السويس جنوبًا، والبحر الأبيض المتوسط شمالًا؛ وذلك لإفساح المجال وتفادي نيران المدفعية المصرية التي ستبدأ -حسب الخطة الموضوعة- في ضرب مواقع العدو ومنشآته في سيناء بعد دخول الطائرات المصرية سيناء.

التمهيد النيراني للمدفعية المصرية:

طبقًا للخطة الموضوعة بدأت المدفعية المصرية بقصف نيراني مكثَّف بعد دقيقتين فقط من دخول الطائرات المصرية سيناء، وهذا القصف كان تمهيدًا لعبور القوات المصرية للقناة، وهو قصف على طول 160 كيلو متر، ويتزامن مع ضرب الطائرات المصرية لأهدافها الموضوعة لها في عمق سيناء، أي: يتم قصف للأهداف البعيدة والقريبة في سيناء بالكامل في وقتٍ واحدٍ، فيتولى الطيران ضرب الأهداف البعيدة في عمق سيناء، وتتولى المدفعية ضرب الأهداف القريبة حتى 10 كيلو مترات في سيناء وهو تخطيط غير مسبوق.

كان انطلاق الطيران المصري هو إشارة البدء لرفع شباك التمويه عن 2000 مدفع بطول الجبهة تم توجيهها جميعًا إلى أهدافها في شرق القناة وتعميرها بالذخائر، فصبت بركانًا من النيران بمعدل نيران بلغ 10500 دانة في الدقيقة الأولى من القصف -أي: 175 دانة في الثانية الواحدة- في قصف امتد لمدة 53 دقيقة، تم فيه استخدام 3 آلاف طن من الذخيرة حوَّلت ساحة القتال في شرق القناة إلى جحيم.

وكان الغرض من هذا القصف الشديد: إجبار نقاط ملاحظة العدو على طول خط بارليف على الاختباء في الخنادق؛ لتجنب تفريغ الهواء الناجم عن دانات المدفعية، وبالتالي تأمين عبور قوات النسق الأول من القوات المصرية لقناة السويس، وهذه القوات الأولى كانت مهمتها تجهيز وتأمين الضفة الشرقية للقناة للعبور العظيم، وذلك بتمكين وحدات المهندسين العسكريين المشاركة في القتال من القيام بمهمتها، وهي تجريف 81 فتحة في الساتر الترابي المقام على حافة الضفة الشرقية، وإنشاء معابر وكباري ومعديات أمام البعض منها.

تدفق القوات المصرية على سيناء:

طبقًا للخطة الموضوعة كانت بداية قصف المدفعية الإشارة لبدء تدفق موجات ضخمة من القوات المصرية بالقوارب المطاطية المعالجة بمواد ضد الحريق؛ إذ كان عبور القناة مهددًا بإشعال العدو للحرائق فوق مياه القناة باستخدام مادة النابالم الحارقة إذا تنبه العدو لعبور القوات المصرية لمياه القناة.

وكانت الموجة الأولى مكونة من 1600 قارب تحمل 8000 مقاتل، بدأ تحركهم السريع على الأقدام حاملين قواربهم من مراكز وحداتهم في شرق القناة تجاه الحافة الغربية للقناة، ثم اقتحموا مياه القناة بقواربهم ذات المجاديف، حتى وصلوا إلى الحافة الشرقية للقناة، ووطأت أقدامهم شرق للقناة وهم يكبِّرون الله تعالى في فترة زمنية بلغت نحو 7 دقائق، هي في عرف الزمان قصيرة، ولكنها في لحظات العبور المصيرية كانت جدًّا ثقيلة، وكان مقاتلو الموجة الأولى هم مفارز مكلفة بمهام مختلفة، منها: مفارز للاستطلاع، ومفارز لنقاط ملاحظة المدفعية، ومفارز من الصاعقة؛ لنصب الكمائن للعدو في عمق سيناء، ومفارز لحصار نقاط خط بارليف، ومفارز لتأمين الساتر الترابي لمنع صعود دبابات العدو إلى المصاطب المخصصة لها على الساتر الترابي لضرب قواتنا في القناة، وعلى الشاطئ الغربي لها، وعددها: 100 مصطبة، ومفارز مكونة من أطقم اقتناص الدبابات مهمتها صد أي هجوم لدبابات العدو.

وكانت قوات المشاة المصرية مدعَّمة بأسلحة خفيفة وصواريخ تُحمَل على الأكتاف مضادة للدبابات والطائرات، ومزودة بحبال لتسلق الأفراد للساتر الترابي، وحبال أخرى غليظة لجرِّ المدافع الثقيلة التي يتعذر حمل الإفراد لها لثقلها.

الصفحة التالية