حرب العاشر من رمضان كأنك تراها (2)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
يوم العاشر من رمضان (?)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فبعد مضي نصف قرن هجري من الزمان على حرب العاشر من رمضان 1393 إلى رمضان 1443 هـ - السادس من أكتوبر، رَحَل -أو يكاد- مَن حضروا هذه الحرب أو عاصروها؛ فلزم علينا أن نذكِّر الأجيال الجديدة بهذه الحرب المجيدة، وما قدَّم المصريون فيها من تضحيات وما بذلوه من جدٍّ واجتهاد في قوة تحمُّل وصبر، وإخلاص وصدق حقَّقوا به مجدًا كبيرًا في ظروف أسوأ وأصعب بكثيرٍ مِن الظروف التي نعاني منها حاليًا؛ إنها روح العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر التي نفتقدها الآن، ونحن أحوج ما نكون إليها.
مِن عوامل انتصار حرب العاشر من رمضان: عامل مبادأة العدو بالقتال، على غير ما تعود عليه العدو من أن يبدأ هو بالقتال، وكذلك مفاجأة العدو بالإعداد الجيد واختيار توقيت لبدء القتال لم يتوقعه العدو، ولإدراك أهمية ذلك نسوق لك بعضًا مما ذكره العدو الإسرائيلي نفسه عن أثر المفاجأة بالحرب في يوم العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر، كما جاء في مذكرات "موشى دايان" عن هذا اليوم؛ لتكتمل الصورة بعد أن استعرضنا ما كانت عليه الأوضاع على الجبهة المصرية في ذلك اليوم.
وموشى دايان هو: وزير الدفاع في الحكومة الإسرائيلية التي كانت ترأسها عند وقوع الحرب جولدا مائير، وهو الذي اكتوى بنار هذه الحرب، فجدير أن نطلع على ما ذكره عنها:
يذكر دايان أن الهجوم المصري جاء مفاجأة وإن لم يكن أمرًا غير متوقع، فتجدد القتال كان متوقعًا عاجلًا أو آجلًا، ولكنه جاء في يوم عيد الغفران (يوم كيبور) عند اليهود، وفي وقت كانت قوات العدو مستعدة ولكن لم تكن معبأة وموزعة كما ينبغي.
ويذكر دايان: أنه كانت هناك خطة معدة مسبقًا للتعامل مع أي هجوم شامل مصري لعبور القناة، أو سوري لاستعادة مرتفعات الجولان، وتقدر تكلفتها بـ 17 مليون دولار، وقد أرسلت تفاصيلها من قبل إلى قيادتي الجبهة الشمالية (في مواجهة سوريا) والجبهة الجنوبية (في مواجهة مصر)، والخطة مبنية على وصول الإنذار المبكر ببدء الحرب قبل 24 ساعة على الأقل حتى تتم تعبئة قوات الاحتياط وإرسالها في الوقت المناسب لاندلاع القتال.
وقال دايان معلقًا على هذه النقطة: (ويجب أن أضيف هنا: أن قوات العدو -يعني مصر وسوريا- شنَّت هجومها بكفاءة أكبر مما وضعناه لها في حسابنا عند وضع هذه الخطط)، وقال: (إن كلًّا من المخابرات الأمريكية ومخابراتنا توصلتا إلى أن مصرو سوريا لا تعدان للحرب، وفسرتا التحركات العسكرية الواسعة على الجبهة المصرية على أنها مناورات وليست استعدادًا لغزو، ومع ذلك فلم نكن مرتاحين، وخاصة فيما يتعلق بالجبهة السورية).
ويبيِّن دايان في موضع آخر من مذكراته سبب القلق من الجبهة السورية أكثر من الجبهة المصرية فيقول: (ولو أننا أخذنا بهجوم على الجبهة المصرية واضطررنا للتراجع إلى الخط الثاني -يعني خط الدفاع الثاني الموضوع في خطة الحرب داخل سيناء-، فإن الأمر لم يكن ليشكل لنا كارثة، فالأمر لا يعدو كونه انسحابًا إلى خط آخر في صحراء واسعة، أما بالنسبة للجبهة الشمالية -أي الجبهة السورية- فالوضع مختلف، فإن أي انسحاب هناك قد يؤدي إلى إلحاق ضرر بليغ بمستعمراتنا في الجولان (يعني المستوطنات)، وقد ينقل الجبهة (يريد جبهة القتال) إلى مناطقنا السكنية في الجليل الأعلى ووادي الأردن، ولم يكن فيها -على العكس من قناة السويس في الجبهة الجنوبية- أية عوائق طوبوغرافية أو موانع؛ هذا بالإضافة إلى شبكة الصواريخ المضادة للطائرات التي بلغت حدًّا من الكثافة والتعقيد إلى درجة أنها كانت تغطي كل الجانب الإسرائيلي في مرتفعات الجولان).
وأما التحركات والمناورات العسكرية التي كانت تقوم بها مصر غرب القناة من وقتٍ لآخر، ولم يكن يعقبها بدء حرب؛ فقد كانت من الخداع الإستراتيجي الذي يمكِّن مصر في وقتٍ ما أن يعقب هذه التحركات والمناورات بدء الحرب على غرة، وهذا ما حدث.
ويعلِّق على ذلك دايان بقوله: (ولم نكن نستطيع تعبئة قواتنا لفترة طويلة وإلا أضر بالدولة، وذلك في حد ذاته يمثِّل واحدًا من أوجه مشكلتنا الرئيسة، فنحن دولة صغيرة يقل تعدادها عن الثلاثة ملايين من اليهود تحيط بهم عشرات الملايين من العرب).
ويذكر دايان: إنه في الاجتماع الأسبوعي لرئاسة الأركان يوم 5 أكتوبر 1973 -أي: قبل بدء الحرب بيوم واحد- صدر القرار برفع حالة الطوارئ القصوى في الجيش والطيران؛ إذ كانت هناك معلومات عن تعزيزات وإمدادات على الجبهتين: المصرية والسورية، ومعلومات عن مغادرة عائلات المستشارين الروس من سوريا بما يعني التخوف من أمر خطير سيحدث، بينما أكَّد رئيس المخابرات الإسرائيلي وقتها: أن الهجوم ليس واردًا ووافقه في ذلك رئيس الأركان، وكان التقييم الأمريكي أن لا مصر ولا سوريا تفكران في هجوم قريب، وكان رأي دايان أن كلًّا من مصر وسوريا في وضع يمكنهما من القيام بهجوم خلال ساعات.
ويضيف دايان قائلًا: (ومع أننا لم نكن غافلين عن احتمال نشوب الحرب، فإن حرب كيبور اشتعلت في اليوم الوحيد الذي لم نكن نتوقعها فيه، وجاءت في يوم الغفران، وهو اليوم الوحيد الذي يقضيه كل اليهود في أنحاء العالم في الصوم والعبادة، وفي إسرائيل كان العمل متوقفًا والشوارع خالية؛ لا سيارة فيه ولا مشاة).
السرية التامة والتمويه في الإعداد والخداع الإستراتيجي قبل التنفيذ:
كانت القيادة المصرية تعلم تمامًا أن أي تحركات عسكرية أو استعدادات على طول الجبهة غرب القناة هي مكشوفة للعدو تمامًا من خلال صور الأقمار الصناعية، وأجهزة التنصت، ووسائل المراقبة والتجسس الحديثة التي تمتلكها أمريكا وإسرائيل، ومن خلال نقاط ملاحظة العدو شرق القناة، إلى جانب أجهزة الاستخبار الإسرائيلية والأمريكية.
