حرب العاشر من رمضان كأنك تراها (2)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
ونهج العدو أنه يقوم باستدعاء وتعبئة قواته الاحتياطية وقوامها ما بين 100 - 120 ألف مقاتل قبل اندلاع الحرب ما بين 24 - 48 ساعة، وبالتالي تكون هذه القوات مشاركة بكل معداتها وأسلحتها في المعركة من بدايتها إلى جانب القوات الرئيسية الموجودة من قبل جاهزة ومعبأة وموزعة على جبهة القتال بما يضمن لإسرائيل في نهاية المعركة التفوق والنصر العسكري مهما كانت قوة العدو المواجه لها، بل يمكن للعدو إذا تأكد من النية الجادة في الهجوم عليه توجيه ضربة إجهاض استباقية لهذا الهجوم باستخدام سلاح الطيران؛ ولهذا عمدت مصر لشهور وأسابيع طويلة قبل المعركة إلى اعتماد السرية التامة واللجوء إلى التخفي والتمويه، والقيام بخداع إستراتيجي للعدو.
وتضليل العدو وخداعه يشمل إجراءات متعددة هدفها تغذية العدو بالمعلومات الزائفة التي قد يتخللها بعض المعلومات الصحيحة القليلة غير المؤثرة، بحيث يتعذر معها معرفة المعلومات الزائفة من المعلومات الصحيحة، مما يوقع العدو في التقدير الخاطئ للموقف، واتخاذه القرارات الخاطئة.
اعتماد السرية التامة:
تمت أخطر مرحلة وهي حشد القوات من فِرَق وألوية مشاة ولواءين مدرعين، وإدخال الكباري ومعدات وأسلحة العبور الثقيلة في سرية وتمويه، مِن يوم الأربعاء السابع من رمضان - الثالث من أكتوبر تحت ستار المشروع التدريبي المعلن عنه.
وفي يوم الجمعة التاسع من رمضان الخامس من أكتوبر، ووفقًا للجدول الموضوع الذي ينظِّم مواعيد إبلاغ الحرب للرتب المختلفة تم إبلاغ قادة الجيشين: الثاني والثالث، وقادة التشكيلات بساعة الصفر بنظام يضمن أقصى درجات السرية والوقت المناسب لعمل الترتيبات النهائية على كافة المستويات في مختلف الأسلحة مع الالتزام التام بأقصى درجات السرية في تنفيذ التعليمات.
ومع شروق شمس يوم العاشر من رمضان تم إبلاغ قادة السرايا والفصائل بساعة الصفر، وتم ضبط ساعات جميع القادة والرتب على دقات الساعة الثامنة من ساعة جامعة القاهرة عبر الإذاعة المصرية، ومن هذا التوقيت أصبحت كل مراكز القيادة على مستوى القيادة العامة مناطق محظورة لا يسمح بدخولها أو الخروج منها.
ورغم الهدوء الظاهر على الجبهة كانت القيادة العامة قد تلقت من قادة القوات تمام الاستعداد لتنفيذ المهام، وكان آخرها تمام قطع البحرية الموجودة في باب المندب، والتي وصلت إليه مساء 9 رمضان 5 أكتوبر.
وكان السادات في قصر الطاهرة الذي تم إعداده كمركز لقيادة الحرب، وتم تجهيزه بأحدث وسائل الاتصال والتكنولوجيا حيث تابع آخر أخبار الإعداد للمعركة، وللاطمئنان على ما يتم الإبلاغ عنه أولًا بأول من تحركات للعدو، وهل اكتشف نية الهجوم واستعد له أم لا، وهل هناك تحركات لتوجيه ضربة إجهاض استباقية لقواتنا؟
كان الشيء المُطمئِن وقتها: أن العدو ومع اقتراب ساعة الصفر لم يعلن عن التعبئة العامة، وكان الشاذلي قد توجَّه صباح العاشر من رمضان سرًّا إلى الجبهة واجتمع مع قائد الجيش الثالث ثم مع قائد الجيش الثاني لمراجعة خطة المعركة وتذليل أي عقبات وشد الأزر، ثم عاد إلى القاهرة ليُطمئِن القيادة السياسية إلى أن كل الأمور على الجبهة تسير وَفْقًا لما هو مخطط له.
تم إعلام المقاتلين على الجبهة -وعددهم قرابة نصف المليون- في الساعة الثانية عشرة ظهرًا بساعة الصفر التي ستكون بعد ساعتين.
وكان تأخير إبلاغ الجنود بساعة الصفر خشية أي ردود فعل حماسية تكشف نوايانا، وخلال الفترة من الثانية عشرة ظهرًا وحتى الثانية ظهرًا، كانت قمة السيطرة على الموقف؛ فقد كانت التعليمات الصارمة أنه بمجرد ارتداء المقاتل ملابس الميدان لا يغادر خندقه إلى أن تبدأ الضربة الجوية، أي: ألا يظهر أي مقاتل بملابس الميدان على الجبهة، وألا يتم تحريك أي معدات أو أسلحة حتى تبدأ المدفعية في التمهيد النيراني مع تلقين المقاتلين المهام الخاصة بكلٍّ منهم، والتشديد على قادة وضباط الكتائب والسرايا بالسيطرة على مشاعر الجنود، كما تم رفع خرائط مهام المشروع التدريبي، ووضع خرائط مهام المعركة بدلًا منها.
وكان وضع التصور الخاص بتوقيت العبور قد تم سرًّا من مجموعة مختارة بعناية دون الاستعانة بأي أطراف خارجية، وكان يتم رسم الخرائط وكتابة التصورات يدويًّا مع التشديد على إنجاز العمل بوسائل غير تقنية، وأن يتم تسليمها يدويًّا حتى لا يتم تعقب أي مراسلات منها من قِبَل العدو أو أجهزة استخباراته، والأجهزة الاستخبارية العالمية المتعاونة معه، وكانت التعليمات تبدأ بعددٍ محدودٍ جدًّا من الأفراد، ثم تتسع تدريجيًّا طبقًا لتطور المهام القتالية.
الإخفاء والتمويه:
مِن أمثلة ما كان من ذلك:
- الإعلان عن فتح باب العمرة في رمضان للراغبين من الضباط وضباط الصف، والجنود والعاملين المدنيين بالقوات المسلحة، وأعلن عن تنظيم ثلاث رحلات واستخراج تأشيراتها من السفارة السعودية بالفعل.
- في يوليو 1972 تم تسريح 30 ألف مجند في الجيش، كان معظمهم من خارج التشكيلات المقاتلة التي يمكن أن تشارك في القتال، مما أعطى انطباعًا بعدم التفكير في الحرب قريبًا.
- تم نقل ورش تصليح إلى قرب القناة وإلحاق دبابات ومركبات بها بدعوى حاجتها للإصلاح والصيانة، ثم تحولت تلك الورش إلى نقط انطلاق عند بدء العمليات.
- كما تم وضع هياكل لأسلحة ومعدات في مرابض المدافع وقواعد الصواريخ للتضليل البصري، ولكي ترصدها الأقمار الصناعية ومخابرات العدو، ثم يتم استبدالها بالأسلحة الحقيقية المخبأة بعد ذلك.
- التوسع في إنشاء الأهداف الخداعية، وإقامة مواقع هيكلية تحاكي القوات الحقيقية، مع تحريك وإعادة نشر قواتنا ومعداتنا بكيفية تغذي مراكز الاستقبال الأرضية للعدو بصور جوية تجعله يستنتج استنتاجات غير حقيقية عن توجه قواتنا على الجبهة.
- تم الترويج عن طريق الإعلام المصري للرأي العام الداخلي في مصر وعن طريق وزارة الخارجية للرأي العام الخارجي، أن مصر غير قادرة على خوض حرب تحرير، وأنها لا تمانع في قبول مفاوضة العدو حول الحل السلمي.
- تم تحييد دور الملحقين العسكريين والضباط بالسفارات الأجنبية بوضعهم تحت المراقبة الشديدة لمنع وصولهم لأي معلومات تمس السرية المتعلقة بالاستعداد للحرب.
