حرب العاشر من رمضان كأنك تراها (2)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
- طلب وزير الخارجية المصري في زيارة له للنمسا قبل الحرب بأيام من مستشار النمسا إبلاغ جولدا مائير رئيسة الحكومة الإسرائيلية التي كانت تزور النمسا في ذلك الوقت، رسالة من السادات مفادها: أن مصر تتطلع إلى إقرار السلام في الشرق الأوسط.
- الإعلان عن جولة مرتقبة لرئيس الجمهورية يزور فيها بعض دول عدم الانحياز خلال شهر نوفمبر 1973، مع قيام أحد كبار العسكريين بزيارة لليبيا في توقيت متزامن مع تدريبات الجيش النهائية، والإعلان رسميًّا عن استقبال وزير الدفاع الروماني في مصر يوم 8 أكتوبر، بينما كان وزير الخارجية مرتبطًا باجتماع في الأمم المتحدة يتزامن مع وقت المعركة.
- وقد أعلن رسميًّا عن الإعداد لاستقبال الأميرة الإنجليزية مارجريت أخت ملكة بريطانيا التي كانت ستزور مصر في السابع من أكتوبر.
الخداع الإستراتيجي:
- بدأت مصر تطبيق خداع إستراتيجي طويل الأمد للعدو قبل الاستعداد النهائي للمعركة؛ لإيهام العدو بعدم وجود نية لمعركة التحرير، بل وعدم القدرة عليها؛ لحمل العدو بعد الاقتناع بذلك على التراخي في القيام بإجراءات قوية لصدِّ أي هجوم مصري شامل يتم مفاجأة العدو به.
- عمدت مصر إلى إعلان التعبئة العامة ومناورات أكثر من مرة، ويتم فيها بالطبع رفع درجة الاستعداد إلى المرحلة القصوى تحت ستار المشروع التدريبي، كان آخرها: إعلان التعبئة العامة في منتصف شهر سبتمبر 1973 ورفع حالة الاستعداد إلى أقصاها في الخامس من رمضان الأول من أكتوبر.
وقد سبقت هذه المرة ثلاث مرات: كانت الأولي في خريف 1971 ولم تشهد اندلاع حرب، والثانية كانت في خريف 1972 ولم تشهد اندلاع حرب، وكانت الثالثة في ربيع 1973 والتي أخذها العدو كالعادة مأخذ الجد وأعلن عن تعبئة جزئية للجيش، ولكنها لم تشهد أيضًا اندلاع حرب؛ مما حمَّل الحكومة الإسرائيلية أعباء كبيرة في تطبيق خطة الدخول في حرب شاملة مع مصر، ثم كانت هذه التعبئة الأخيرة في خريف سبتمبر 1973 والتي شهدت وقوع الحرب بالفعل، لم يتعامل العدو مع الأمر هذه المرة بالجدية المطلوبة تحسبًا لتحمل تكاليف أخرى تعد بمنزلة خسائر لإسرائيل؛ خاصة في وجود دلائل تشير إلى أن هذه التعبئة وما صحبها من تحركات هي مشروع للتدريب، ولا توجد في الظاهر أي نية جادة للحرب، وهذا الذي انطلى على المخابرات الإسرائيلية والأمريكية معًا، واطمأنت إليه القيادات العسكرية في الجيش الإسرائيلي، ومال إليه المسئولون في الحكومة الإسرائيلية.
- تم تحريك لواء مظلات بكامل عتاده نهارًا من القناة إلى منطقة قفط في محافظة قنا في قلب الصعيد على متن أربعة قطارات تجر خلفها عربات بضاعة مسطحة مكشوفة مرئية للجميع لضمان رصدها، ثم صدرت التعليمات للواء بالعودة سرًّا مرة أخرى ليلًا في عربات مغلقة إلى قاعدته وكأنه لم يخرج منها، وشارك بعدها في المعركة (ذكره الكاتب الراحل إبراهيم حجازي في مقاله: (حرب أكتوبر بدأت في سبتمبر) جريدة الأهرام عدد الجمعة الأسبوعي 25 سبتمبر 2020، ص 15) .
- جاءت التحركات العسكرية على الجبهة المصرية في التعبئة الأخيرة شاملة لكلِّ الوحدات وفي كل الأماكن بما يفقد عند رصدها القدرة على تحليل ما يحدث، فهي تحركات لا دلالات وتفسير لها، ولا تصب ولا تظهر النية الجادة في دخول حرب شاملة ضد إسرائيل.
- لتجهيز وتوفير مستشفيات إضافية لاستقبال الأعداد المتوقعة من المصابين والجرحى العسكريين أثناء الحرب، تم إخلاء مستشفى الدمرداش، وعدة مستشفيات أخرى تحت دعاوى إصابة هذه المستشفيات بالتيتانوس، وبالتالي حاجتها الضرورية إلى الإخلاء والتطهير.
- كانت الأوامر المشددة للقوات الموجودة على الجبهة بمزاولة أعمالها اليومية الطبيعية، فالشركات المدنية التي تعمل في إنشاء مصاطب للدبابات وتقوم بتعلية الساتر الرملي الدفاعي غرب القناة في مواجهة العدو تواصل أعمالها المعتادة بدون تغيير، وهناك جنود يمارسون أعمالهم اليومية المعتادة جهرًا أمام نقاط الملاحظة للعدو مما يعطي انطباعًا للعدو بأنه لا نية للهجوم.
- غادرت قطع بحرية في يوم الثلاثاء 6 رمضان 2 أكتوبر قواعدها في البحر الأبيض والبحر الأحمر لتنفيذ مهامها في قطع خطوط مواصلات العدو البحرية والتحكم في باب المندب، وكان التحرك لبعضها تحت ستار التوجه لإجراء عمرات لها في دول صديقة في جنوب شرق آسيا، وقد تم سرًّا تسليم قائد كل قطعة بحرية مظروفًا مغلقًا مع تحديد يوم ووقت فتحه على أن تنفذ كل التعليمات الموجودة بالظرف بدقة بعد العلم بها، وكانت توقيتات فتح هذه الأظرف هي نفس توقيتات إعلام باقي القادة على جبهة القتال بساعة الصفر.
- إمعانًا في الخداع تم استخدام اللغة النوبية كشفرة للاتصالات حيث يتعذَّر تمامًا على العدو التعرُّف عليها أو فك رموزها، حيث تم تعيين جندي نوبي في كل وحدة إشارة ليستخدم لغته النوبية في اتصالات الوحدات بعضها ببعض.
- كان اختيار الساعة الثانية ظهرًا لبدء الحرب والعبور، مخالفًا لكل التوقعات المعتادة بأن تكون بداية أي حرب؛ إما مع غروب الشمس مساءً أو شروق الشمس صباحًا.
ولكن تم اختيار ظهر العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر لاعتباراتٍ عديدةٍ، منها:
- توقف الحياة اليومية والبث الإذاعي والتلفزيوني في إسرائيل في هذا اليوم للاحتفال بعيد الغفران.
- كون مياه القناة في حالة جزر يسهل معها العبور.
- كون الرياح في هذا اليوم هادئة خالية من العواصف الرملية.
- كون الشمس في الثانية ظهرًا تميل إلى جهة الغروب، فتكون في ظهر قواتنا بينما تكون في مواجهة أعين قوات العدو ومدفعيته.
- كون بناء الكباري والمعديات يحتاج لفترةٍ لا تقل عن ست ساعات، فالعبور ظهرًا يعني إعداد الكباري مع دخول الليل مما يسهِّل عبور الدبابات والمركبات والأسلحة الثقيلة عليها ليلًا، فتكون على أرض سيناء، وتشارك في الحرب صباح يوم الأحد الحادي عشر من رمضان السابع من أكتوبر.
وللحديث بقية إن شاء الله.
