شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

بصائر أولي النهى

أحمد شهاب • مع الدعاة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فبينما يجلس العالم الرباني إمام أهل السنة أحمد بن حنبل يعلِّم الناسَ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم رواية ودراية، وينقل مذاهب السلف الأكارم كما تلقاها عمَّن سبقه جيلًا بعد جيل؛ إذ يأتيه تلميذ له مثنيًا على شيخ يسمع منه المواعظ البليغة، حاكيًا له أن هذا الشيخ يحضر له الكثير من الناس يبكون خشوعًا من جميل كلامه ومنمق عباراته المؤثرة في نفوسهم، وأنه يسمع منه كلامًا في التزكية لم يسمع مثله من غيره.

فكان رد فعل الإمام أن يتبيَّن ما جاءه به الخبر وأن يستوثق مما حدثه به التلميذ، فيقول لهم: أخبروني عن موعد مجيئه حتى أسمع منه، كما روى ابن كثير عن إسماعيل بن إسحاق السراج: قال لي أحمد بن حنبل: هل تستطيع أن تريني الحارث المحاسبي إذا جاء منزلك؟ فقلت: نعم! وفرحت بذلك، ثم ذهبت إلى الحارث، فقلت له: إني أحب أن تحضر الليلة عندي أنت وأصحابك، فلما كان بين العشاءين جاءوا وكان الإمام أحمد قد سبقهم فجلس في غرفة بحيث يراهم ويسمع كلامهم ولا يرونه، فلما صلوا العشاء الآخرة لم يصلوا بعدها شيئًا، بل جاءوا فجلسوا بين يدي الحارث سكوتًا مطرقي الرؤوس، كأنما على رؤوسهم الطير، حتى إذا كان قريبًا من نصف الليل سأله رجل مسألة، فشرع الحارث يتكلم عليها وعلى ما يتعلق بها من الزهد والورع والوعظ، فجعل هذا يبكي وهذا يئن وهذا يزعق، قال: فصعدت إلى الإمام أحمد إلى الغرفة فإذا هو يبكي، ثم لم يزالوا كذلك حتى الصباح، فلما أرادوا الانصراف، قلتُ: كيف رأيت هؤلاء يا أبا عبد الله؟ فقال: ما رأيت أحدًا يتكلم في الزهد مثل هذا الرجل، ومع هذا فلا أرى لك أن تجتمع بهم.

وكانت هذه الكراهة من أحمد للاجتماع بهم والحضور معهم؛ لعدة أمور، أهمها أمران:

1- إن في كلامهم من الغلو في التقشف وشدة السلوك ما لم يرد في الشرع، وفيه من المبالغة في التدقيق والتفتيش والتعمق في المحاسبة ما لم يأتِ به أمر.

2- ولدخولهم في علم الكلام الذي بالغ أئمة أهل السنة جميعًا -بلا خلاف سابق- في التحذير منه، قال البيهقي: "إنه كره له صحبتهم؛ لأن الحارث وإن كان زاهدًا، فإنه كان عنده شيء من علم الكلام، وكان أحمد يكره ذلك".

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وإنما هجره؛ لأنه كان على قول ابن كلاب الذي وافق المعتزلة على... ) وذكر أشياء. وقال أيضًا: "... هذا الأصل هو مما أنكره الإمام أحمد على ابن كلاب وأصحابه حتى على الحارث المحاسبي مع جلالة قدر الحارث، وأمر أحمد بهجره وهجر الكلابية، وقال: احذروا من حارث، الآفة كلها من حارث، فمات الحارث وما صلى عليه إلا نفر قليل بسبب تحذير الإمام أحمد عنه، مع أن فيه من العلم والدين ما هو أفضل من عامة من وافق ابن كلاب على هذا الأصل".

وقريبًا من ذلك ما نقله السمعاني في الأنساب: "وكان أحمد بن حنبل يكره للحارث نظره في الكلام وتصانيفه الكتب فيه ويصد الناس عنه".

قال الذهبي في السِّير: "قلتُ: المحاسبي كبير القدر، وقد دخل في شيء يسير من الكلام فنقم عليه، وورد أن الإمام أحمد أثنى على حال الحارث من وجه، وحذر منه".

نعود فنقول: قد سمع الإمام أحمد منه وأنصفه، لكنه ببصيرة العالم النافذة ورؤيته الثاقبة، نهاهم أن يحضروا له، وأن يتعلموا منه؛ لما يراه مِن عواقب طريقته ومآلات كلامه.

وبغض النظر عن صحة تفاصيل تلك القصة؛ إلا أنه من الثابت عن الإمام أحمد التحذير من الحارث المحاسبي، ومن ذلك ما جاء في طبقات الحنابلة: أن الإمام أحمد لما سُئِل عن الحارث: احمرّ لونه وانتفخت أوداجه وعيناه، وما رأيته هكذا قط ثم جعل ينتفض ويقول: ذاك؟! فعل الله به وفعل، ليس يعرف ذاك إلا من خبره وعرفه، ذاك جالسه المغازلي ويعقوب وفلان فأخرجهم إلى رأي جهم؛ هلكوا بسببه!"، "لا يغرك خشوعه ولينه"، وقال: "لا تغتر بتنكيس رأسه... "، وكان يقول: "حارث أصل البلية" (انتهى) .

بل ثبت التحذير أيضًا عن بعض تلامذة الإمام أحمد ومعاصريه، قال البرذعي: "شهدت أبا زرعة الرازي سئل عن الحارث المحاسبي، وكتبه؟ فقال للسائل: إياك وهذه الكتب، هذه كتب بدع وضلالات؛ عليك بالأثر فإنك تجد فيه ما يغني عن هذه الكتب. قيل له: في هذه الكتب عبرة، قال: مَن لم يكن له في كتاب الله عبرة، فليس له في هذه الكتب عبرة، بلغكم أن مالك بن أنس، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والأئمة المتقدمين صنفوا هذه الكتب في الخطرات، والوساوس، وهذه الأشياء، هؤلاء قوم خالفوا أهل العلم فأتونا مرة بالحارث المحاسبي، ومرة بعبد الرحيم الذبيلي، ومرة بحاتم الأصم، ومرة بشقيق البلخي، ثم قال: ما أسرع الناس إلى البدع!".

ولما وقف أبو زرعة على كتاب الحارث المسمى بالرعاية قال: "هذا بدعة"، ثم قال للرجل الذي جاء بالكتاب: "عليك بما كان عليه مالك والثوري والأوزاعي والليث، ودع عنك هذا فإنه بدعة".

وقد يكون هذا الكلام الشديد من الإمام أحمد وتلامذته الكبار مستغربًا من تلاميذ له آخرين؛ لأنهم لا يرون إلا مشكلة قد تبدو صغيرة، أو انحرافًا يسيرًا جدًّا، بل قد لا يدركون هذا الانحراف أصلًا، وهنا يظهر العالم الرباني الذي يدرك الفتنة وهي مقبلة، فإنها إذا أدبرت عرفها كل أحد، لكن بعد فوات الأوان.

العالم الرباني هو الذي يكون سببًا في حراسة عقيدة الناس وحماية المنهج، وسد ذرائع الفتنة بقوة وحكمة، وعدل وإنصاف في نفس الوقت، فقبل هؤلاء -أعني ابن كلاب والحارث المحاسبي وأمثالهم- كان هناك حد فاصل بين علم الكلام من جهة، وبين الفقهاء والمحدثين والعلماء من جهة أخرى، فكانت الخطورة في خرق هذا الجدار، ووجود مَن ينخرط مِن المحسوبين على أهل الحديث في علم الكلام، واستعماله ولو قليلًا، والتأثر به ولو يسيرًا.

قبل هؤلاء أيضًا كانت التزكية عند أهل السنة سهلة واضحة ميسرة بيُسر الإسلام نفسه، مع مجانبة البدع والمحدثات، والاكتفاء بالوحي المنزل، والسير على خطى الجيل الأول، فكانت خطورة هذا التوغل في الحديث عن الخطرات والوساوس، واستعمال المصطلحات المجملة التي يكمن في طياتها الخطر البالغ، ورسم سبل محددة للتزكية لم تُؤثر عن السلف، ومهما كانت زاوية الانحراف قليلة؛ فإن المسافة بين الضلعين تزيد باستمرار.

الصفحة التالية