شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

بصائر أولي النهى

أحمد شهاب • مع الدعاة

وتمر الأيام ويموت الاثنان رحمهما الله تعالى؛ يموت العالم الإمام في جنازة مهيبة لم يُرَ مثلها، ويموت الشيخ الواعظ مهجورًا لم يصل عليه إلا نفر يسير! وتثبت الوقائع بما آلت إليه الأمور ما يدل على خطورة هذا الانحراف -الذي كان باديًا لأول وهلة يسيرًا-؛ سواء من جهة تسلل علم الكلام لبعض أهل الحديث، أو من جهة البدع والمحدثات في تزكية النفس وتربيتها، فكان أبو محمد بن كُلَّاب هو الأستاذ الذي اقتدى به الأشعري في طريقه، هو -أي: ابن كلاب- وأئمة أصحابه: كالحارث المحاسبي، وأبي العباس القلانسي، وأبي سليمان الدمشقي، وغيرهم.

فمن جهة علم الكلام تلاهم جيل الأشعري، ثم الباقلاني وابن فورك، وغيرهما، مرورًا بالغزالي والجويني، ثم الانحراف الأشد على يد الرازي ومَن تبعه.

وأما مِن جهة التصوف: فذهبت الفتنة بهم كل مذهب، فكان أحسنهم مَن اقتصر على البدع العملية -وهم قليل-، ومنهم مَن زاد على ذلك؛ مرورًا بالانحرافات العقدية والأفعال الشركية، وانتهاءً بعقائد الحلول والاتحاد، ودركات التصوف الفلسفي، وتلاشى ما يسمَّى بالتصوف السني -إن كان قد سبق له وجود أصلًا!-، فالانحراف اليسير -الذي قد يكون بحسن نية من البعض عن جهل بمآلات الأمور- كان بداية السقوط في الهوة السحيقة، وخطوات الشيطان في الغواية ليس لها نهاية، وللعلماء الربانيين أهل البصائر فراسة إيمانية يرون بها عواقب الأمور ومآلاتها.

وكما قال أبو الدَّرداء: "اتَّقوا فِرَاسَة العلماء؛ فإنَّهم ينظرون بنور الله، إنَّه شيء يقذفه الله في قلوبهم، وعلى ألسنتهم"، وقال ابن القيِّم: "الفِراسة الإيمانيَّة... سببها نورٌ يقذفه الله في قلب عبده، يفرِّق به بين الحقِّ والباطل، والصَّادق والكاذب، وهذه الفِرَاسَة على حسب قوَّة الإيمان".

وهذه الفراسة الإيمانية هي بعينها البصيرة: قال الله تعالى: "وَاذكُر عِبَادَنَا إبرَاهِيمَ وَإسحَاقَ وَيَعقُوبَ أُولِي الأَيدِي وَالأَبصَارِ"؛ قال ابن القيم: "أي: البصائر في دين الله عز وجل، فبالبصائر يُدرك الحق ويُعرف، وبالقوة يُتمكن من تبليغه وتنفيذه والدعوة إليه، فهذه الطبقة كان لها قوة الحفظ والفهم في الدين والبصر بالتأويل، ففجرت من النصوص أنهار العلوم، واستنبطت منها كنوزها، ورُزقت فيها فهمًا خاصًّا، كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقد سُئل: هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء دون الناس؟ فقال: "لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة! إلا فهمًا يؤتيه الله عبدًا في كتابه".

فعلينا في تلك الفتن أن نأخذ بأسباب تحصيل البصيرة في نفوسنا وفيمن حولنا، والتي ذكرها الإمام ابن القيم وغيره فلتراجعها، وخلاصتها: العلم النافع والعمل الصالح، وكما قال ابن الجوزي: "مَن أحب أن يكون للأنبياء وارثًا، وفي مزارعهم حارثًا؛ فليتعلم العلم النافع، ففي الحديث: (العلماء ورثة الأنبياء)، وليحضر مجالس العلماء؛ فإنها رياض الجنة".

ومن العواصم: الرجوع إلى أهل العلم أرباب البصائر فيما عرض لك من المسائل والقواصم، وسيبقى الدعاء والتضرع إلى الله واللجوء إليه، هو أعظم الأسباب؛ فإنه لا عاصم مِن أمر الله إلا مَن رحم.

وخلاصة القول: "يَا أَيٌّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤتِكُم كِفلَينِ مِن رَّحمَتِهِ وَيَجعَل لَّكُم نُورًا تَمشُونَ بِهِ وَيَغفِر لَكُم وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ"، "يَا أَيٌّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجعَل لَّكُم فُرقَانًا وَيُكَفِّر عَنكُم سَيِّئَاتِكُم وَيَغفِر لَكُم وَاللَّهُ ذُو الفَضلِ العَظِيمِ".

والحمد لله رب العالمين.

الصفحة السابقة