شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

حرب العاشر من رمضان كأنك تراها (3)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

يوم العاشر من رمضان (3)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فبعد مضي نصف قرن هجري من الزمان على حرب العاشر من رمضان 1393 إلى رمضان 1443 هـ - السادس من أكتوبر، رَحَل -أو يكاد- مَن حضروا هذه الحرب أو عاصروها؛ فلزم علينا أن نذكِّر الأجيال الجديدة بهذه الحرب المجيدة، وما قدَّم المصريون فيها من تضحيات وما بذلوه من جدٍّ واجتهاد في قوة تحمُّل وصبر، وإخلاص وصدق حقَّقوا به مجدًا كبيرًا في ظروف أسوأ وأصعب بكثيرٍ مِن الظروف التي نعاني منها حاليًا؛ إنها روح العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر التي نفتقدها الآن، ونحن أحوج ما نكون إليها.

كيف مَرَّ يوم العاشر من رمضان السادس من أكتوبر على إسرائيل وجيشها في سيناء؟

تبدأ الأحداث المتعلقة بهذا اليوم قبله بأيام:

- في يوم الأربعاء السابع من رمضان - الرابع من أكتوبر: كانت قد تراكمت المعلومات في إسرائيل حول وجود استعدادات على الجبهتين: المصرية والسورية، حيث قام مدير المخابرات باطلاع وزير الدفاع ورئيس الأركان على تقديره للموقف؛ إذ تم رصد تشكيل طوارئ في سوريا من خلال وجود: 5 فرق، و5 ألوية مشاة، ولواءين مدرعين، وأن هناك مناورة عسكرية تدور في مصر تثير قلقًا حول استعداد مصر للهجوم على إسرائيل؛ وعليه عُقِد في نفس اليوم اجتماع مجلس حرب برئاسة جولدا مائير بعد عودتها من النمسا لمناقشة الموقف، فتم استبعاد قيام أي حرب، حيث ذكر موشى دايان أن المصريين لو عبروا القناة وتقدموا لأي مسافة في سيناء، فيمكن بضربة واحدة جعلهم في موقفٍ أصعب مما هم فيه حيث تحميهم القناة.

- يوم الخميس الثامن من رمضان: تلقَّى مدير المخابرات الإسرائيلي معلومات مصدرها عميل موثوق به في لندن بأن هناك معلومات غاية في الأهمية رصدتها طائرة استطلاع تؤكِّد وجود حشود على الجبهة المصرية خاصة المدفعية؛ فاجتمع دايان برئيس الأركان وأعضاء القيادة العامة لاستعراض تقارير الموساد، ودراسة كل التوقعات، كما اجتمع مجلس الحرب برئاسة جولدا مائير في الحادية عشرة والنصف صباحًا بعد زيادة الشك في إمكانية اندلاع الحرب، حيث ذكر موشى دايان: أن احتمالات قيام مصر وسوريا بالحرب كبيرة جدًّا.

فتم إعطاء سلطة التعبئة العامة لرئيسة الوزراء، ووزير الدفاع، دون حاجة لاجتماع مجلس الحرب، على أن يترك أعضاء مجلس الحرب أرقام تليفوناتهم في المناطق التي سيقضون فيها عيد الغفران، وفي المساء استدعت رئيسة الوزراء الجنرال اليعازر بصفته عسكريًّا محترفًا، وسألته: هل يستطيع المصريون العبور؟ فأخبرها أن الجنرال بارليف أخبره صباحًا باستحالة ذلك، وأنه جَهَّز القناة بوسائل حرق كل مَن يقترب منها، وهو ما أكَّده الجنرال حاييم بارليف لمائير صباح اليوم التالي.

وأضاف اليعازر: إن عبورَ المصريين فيه استحالة، وأنه قد تم وضع حسابات ما لو حدث ذلك، وأن المصريين متدينون بطبعتهم؛ فكيف يقاتلون في رمضان؟! والأهم من ذلك: أن الحالة على الضفة الغربية للقناة هادئة.

- في التاسعة صباح الجمعة التاسع من رمضان - الخامس من أكتوبر، عقد موشى دايان وزير الدفاع اجتماعًا في مكتبه، حضره رئيس الأركان وأعضاء القيادة العامة، حيث قدَّم اليعازر رئيس الأركان تقريرًا أوضح فيه أن الحشود المصرية على الجبهة راجعة في الغالب إلى شدة أعصاب المصريين نتيجة الخشية من إسرائيل؛ لذا يعززون قواتهم أو أن لديهم نوايا عدوانية.

وحول رصد ترحيل عائلات المستشارين الروس في سوريا والمدنيين الروس في مصر الذي أثار بشدة شكوك المخابرات الإسرائيلية، فذكر التقرير: أنه قد يكون نوعًا من التعبير عن غضب الروس من التصرفات المصرية، أو أن هناك خلافًا سياسيًّا بين الروس والسوريين، فأضاف دايان: أنه ربما يكون خوَّف روسيا من حرب قادمة مع إسرائيل، وقرر رئيس الأركان في نهاية الاجتماع إلغاء الإجازات على الجبهتين: المصرية والسورية، وإعلان حالة الطوارئ في سلاح الطيران.

- كان رئيس الموساد قد سافر بنفسه إلى لندن لمقابلة عميل المخابرات هناك الذي كان لديه معلومات بالغة الأهمية، وتمت مقابلته في العاشرة مساء الجمعة التاسع من رمضان - الخامس من أكتوبر، حيث حصل رئيس الموساد على المعلومات المطلوبة، وقام فريق تحليل الصور الجوية بدراسة صور الاستطلاع الجوي الذي تم في نفس اليوم وثبت منها وجود حشود مصرية على الجبهة.

- في الثالثة فجر السبت العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر، تلقَّى مدير المخابرات الإسرائيلية مكالمة تليفونية من رئيس الموساد ليبلغه بمعلوماتٍ تفيد بأن مصر وسوريا سيشنان هجومًا على إسرائيل قبل غروب شمس هذا اليوم.

- اجتمع مجلس الوزراء الإسرائيلي في الساعة الثامنة صباحًا - يوم العاشر من رمضان السادس من أكتوبر، وانتهى الاجتماع إلى اتخاذ أربعة قرارات:

الأول: تعبئة ما بين 100 إلى 120 ألفا من الاحتياطي تضاف إلى الجيش النظامي وكان الطيران في حالة طوارئ من قبل.

الثاني: إخلاء النساء والأطفال من الجولان.

الثالث: النظر في اقتراح رئيس الأركان بتوجيه ضربة وقائية ضد سوريا، وهو ما اعترض عليه وزير الدفاع؛ لأن الضربة موجهة لسوريا فقط، وأنها تستهدف القواعد الجوية فقط دون الدفاع الجوي، وبالتالي لا فائدة حقيقية منها.

الرابع: توجيه تحذير لمصر وسوريا عن طريق أمريكا من مغبة الهجوم على إسرائيل.

كان أحد مخاوف المسئولين في إسرائيل من القيام بضربة استباقية، أن تظهر إسرائيل على أنها البادئة بالحرب مما قد يجعلها تفقد التعاطف معها حال احتياجها أثناء الحرب إلى أي معاونة من أصدقائها في الغرب، بينما توجيه تحذير لمصر وسوريا عن طريق أمريكا يضمن وقوف أمريكا إلى جانب إسرائيل إن بدأت مصر وسوريا الحرب.

وقد استدعت مائير بالفعل السفير الأمريكي في إسرائيل لنقل رسالة للبيت الأبيض عن نوايا مصر وسوريا في توجيه ضربة ضد إسرائيل، وأن إسرائيل ليس لديها نوايا عدوانية تجاههما، كما طلبت مائير أيضًا من وزير خارجيتها أبا إيبان الموجود وقتها في نيويورك بإبلاغ نفس الرسالة إلى المسئولين الأمريكيين لنقلها إلى السادات عن طريق الروس، وهو ما تم بالفعل.

الصفحة التالية