شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

حرب العاشر من رمضان كأنك تراها (3)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

وقد قام كيسنجر وزير الخارجية الأمريكية -وقتها- بالفعل بالاتصال بوزير الخارجية المصرية الموجود أيضًا وقتها في نيويورك، طالبًا منه ألا تقدم مصر وسوريا على الهجوم، لكن اتصاله كان متأخرًا في الساعة الثانية إلا ربع ظهرًا بتوقيت القاهرة، أي: قبل ساعة الصفر بربع ساعة فقط.

العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر في مذكرات جولدا مائير:

تقول جولدا في مذكراتها عن يوم العاشر من رمضان: (لا بد أن أعود بالذاكرة أولًا إلى شهر مايو -تعني مايو عام 1973- عندما وصلتنا معلومات عن تعزيز القوات المصرية والسورية على الحدود، ولم يرَ رجال مخابراتنا أن الحرب قد تندلع، لكننا مع ذلك قررنا معالجة الموقف بجدية، وذهبت بنفسي آنئذٍ إلى مقر القيادة العامة حيث التقيت بوزير الدفاع ورئيس الأركان، واستعرضت معهما درجة استعداد القوات المسلحة، واقتنعت بأن الجيش مستعد لكافة الطوارئ بما في ذلك الحرب الشاملة).

وتقول: (وبدأنا في شهر سبتمبر نتلقى معلومات عن احتشاد القوات السورية في مرتفعات الجولان، وفي اليوم الثالث عشر من هذا الشهر وقعت معركة جوية تم فيها إسقاط 13 طائرة سورية من طراز ميج، ورغم ذلك أكد لنا رجال المخابرات أنه ليس من المتوقع أن يقوم السوريون بردِّ فعلٍ كبيرٍ).

وتذكر جولدا أنها في يوم الأربعاء الثالث من أكتوبر عقدت اجتماعًا مع قادة الجيش والمخابرات حول الموقف العسكري، وكان الترجيح أن التحركات المصرية مناورات تجري في مثل هذا الوقت من العام، وأن سوريا لن تهاجم إسرائيل بمفردها، وأن نقل الوحدات السورية من على الحدود الأردنية هو نوع من الوفاق بين الدولتين، وإظهار حسن النية من سوريا تجاه الأردن.

وقالت: (وتلقينا يوم الجمعة 5 أكتوبر تقريرًا أثار قلقي: أن عائلات المستشارين الروس في سوريا تحزم أمتعتها وترحل في عجل).

وأضافت: (وسألت وزير الدفاع ورئيس الأركان ورئيس المخابرات عما إذا كانت هذه المعلومة تعتبر مهمة... فوجدت أنها لم تغير من تقديرهم للموقف)، (وتلقيت تأكيدًا بأن لدينا إنذارًا كافيًا لأي متاعب... كما أن تعزيزات قد تم إرسالها إلى الجبهات لصدِّ أية عملية عند اللزوم... وقد تم اتخاذ اللازم، فوضع الجيش في أقصى حالات التأهب؛ خاصة الطيران، والمدرعات).

ثم تذكر جولدا: أنها عقدت اجتماعًا طارئًا للحكومة، حضره رئيس الأركان ورئيس المخابرات يوم الجمعة 5 أكتوبر لاستعراض التقارير، ولم يبدُ الانزعاج على أحدٍ، وانفض الاجتماع وهي ما زالت تفكر في خطر الحرب، في حين أن رئيس الأركان الحالي والسابق ورئيس المخابرات، والمصادر الأجنبية التي هي على اتصال مستمر معها يقطعون بأن احتمال الحرب بعيدٌ.

وتلوم جولدا نفسها فتقول: (أما اليوم؛ فإنني أعلم ما الذي كان ينبغي عليَّ أن أفعله؛ كان يجب أن أتغلب على ترددي، لقد كنت أعلم كغيري ما الذي تعنيه التعبئة العامة ومقدار الأموال التي تتكلفها؟ وكنت أعلم أيضًا أننا منذ عدة أشهر في مايو تلقينا إنذارًا، وقمنا باستدعاء الاحتياطي ولم يحدث شيء، لكنني فهمت أن الحرب ربما لم تقع في مايو لنفس هذا السبب، وهو أننا استدعينا الاحتياطي. كان يجب عليَّ في صباح يوم الجمعة هذا أن استمع إلى إنذار قلبي واستدعي الاحتياطي وآمر بالتعبئة. إن هذه حقيقة بالنسبة لي لا يمكن أن تنمحي، وليس هناك عزاء فيما قد يقوله أحد أو في كل التهدئة والتحجج بالعقل الذي حاول زملائي تهدئتي به).

وأضافت: (وليست المسألة شعورًا بالذنب، إنني أنا أيضًا أستطيع أن أحتكم إلى العقل وأقول لنفسي: إن مواجهة مثل هذا اليقين مِن جانب مخابراتنا العسكرية، والقبول الكلي بقدرٍ مساوٍ لتقديراتها من جانب أبرز رجالنا العسكريين... فإن إصراري على الأمر بالتعبئة كان سيبدو أمرًا غير مقبول! لكني أعلم أنه كان عليَّ أن أفعل ذلك، وسوف أحيا بهذا الحلم المفزع بقية حياتي، ولن أعود مرة أخرى نفس الشخص الذي كنته قبل حرب كيبور).

تذكر جولدا أنه في الرابعة من صباح يوم السبت 6 أكتوبر أُخبِرت تليفونيًّا بأن معلومات من مخابرات موثوقة تفيد بأن المصريين والسوريين سوف يشنون هجومًا مشتركًا في وقتٍ متأخرٍ من بعد ظهر اليوم، فعقدت جولدا اجتماعًا مع رجالها العسكريين، فأوصى رئيس الأركان بتعبئة كل سلاح الطيران، وأربع فرق، وأنه إذا تم الاستدعاء فورًا، فسيكون بإمكان هذه القوات أن تتحرك وتعمل في صباح اليوم التالي، وكان من رأيه البدء بضربة جوية إجهاضية ما دام أن الحرب قد باتت واضحة، وأن سلاح الطيران يمكن أن يكون جاهزًا للضربة الوقائية عند الظهر حال الأمر بذلك.

أما موشى دايان: فكان يحبِّذ تعبئة سلاح الطيران، واستدعاء فرقتين فقط؛ بدعوى أن التعبئة العامة قبل إطلاق رصاصة واحدة على إسرائيل أو قيام إسرائيل بضربة إجهاضية قد تكون سببًا في اتهام إسرائيل ببدء العدوان؛ خاصة وأنه يمكن معالجة الموقف بسلاح الطيران وفرقتين، فإذا ساء الموقف يمكن استدعاء المزيد خلال ساعات.

ورأت جولدا أن القيام بضربة وقائية قد يمنع إسرائيل من الحصول على مساعدة إن احتاجت إليها في المستقبل. وأبلغت جولدا السفير الأمريكي وقتها بتقارير المخابرات بأن الهجوم سيكون في ساعة متأخرة من اليوم، وأن إسرائيل لن تبدأ بالضربة الأولى على أمل أن تتدخل أمريكا أو روسيا مع المصريين والسوريين لمنع وقوع الحرب.

وعن مفاجأة حكومتها بالحرب تذكر جولدا: إن الحكومة الإسرائيلية استمعت في اجتماعها ظهرًا إلى وصف كامل للموقف، وبينما هم مجتمعون، جاء الخبر بأن الضرب بدأ، وسمع في نفس اللحظة تقريبًا صوت صفارات الإنذار في تل أبيب، وبدأت الحرب. وكانت الصدمة... لم يتم الإنذار في وقت مناسب، والضرب على جبهتين، والعدو متفوق من الناحية العددية في السلاح والرجال، وثبت خطأ افتراضات الحكومة وقادة الجيش، ولم يكن ممكنًا أن تكون الظروف أسوأ مما هي عليه. وظلت الاجتماعات مستمرة في مكتب جولدا وغرفة الحرب طوال النهار والليل، تتخللها مكالمات تليفونية من واشنطن، وأنباء سيئة من الجبهات.

قالت جولدا: (لكننا حتى في أحلك الأيام تلك التي عرفنا فيها مدى الخسائر التي لحقت بنا، لن نفقد إيماننا بجنود جيش الدفاع الإسرائيلي).

الصفحة السابقة الصفحة التالية