حرب العاشر من رمضان كأنك تراها (3)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
وأضافت: (ولا أظنني سوف أنسى ذلك اليوم الذي سمعتُ فيه أسوأ التنبؤات المتشائمة).
العاشر من رمضان في مذكرات موشى دايان:
يذكر دايان في مذكراته عن يوم العاشر من رمضان: أنه قد وصلته معلومات تحليلية من المخابرات ليلًا قرب صباح يوم الغفران (يوم كيبور)، وهو من أهم الأعياد الدينية عند اليهود -الذي وافق في هذا العام يوم السبت السادس من أكتوبر1973- عن إعداد مصر وسوريا لهجوم قبل غروب شمس نفس اليوم، فأبلغها جولدا مائير، واجتمع بقادة الجيش في مكتبه صباحًا، ونظرا لأن مثل هذه المعلومات عن هجوم متوقع سبق أن تلقاها من قبل ولم يعقبها هجوم، ولكن في ضوء تقارير المخابرات عن عملية لإجلاء الأسر السوفيتية من سوريا تعيَّن التصرُّف على أساس افتراض شن الحرب، فتم بحث تعبئة الاحتياطي لدعم الجبهات و لإعداد لضربة جوية وقائية رادعة للقواعد الجوية في عمق سوريا قبل الساعة الثانية عشر ظهرًا، وإجلاء النساء والأطفال من المستوطنات في هضبة الجولان، وإصدار تحذير لمصر وسوريا عن طريق أمريكا لضمان وقوف أمريكا إلى جانب إسرائيل حال نشوب حرب ليست إسرائيل السبب فيها.
وذكر دايان: أنه عارض فكرة الضربة الجوية الوقائية؛ خشية أن تفسدَ العون المأمول من أمريكا حال وقوع الحرب، وبعد مناقشة مع رئيسة الوزراء تقرر تعبئة الاحتياطي وإجلاء النساء والأطفال من الجولان، وصرف النظر عن الضربة الجوية مع إنذار مصر وسوريا.
ثم يذكر دايان: أنه توجَّه إلى حجرة العمليات في الحادية عشر صباحًا، وكان كل شيء هادئًا، وكان المتوقع حال وقوع الهجوم أن يحاول المصريون عبور القناة من مناطق معينة في زوارق مطاطية وتلحق بهم قوات من الصاعقة محمولة بالهليكوبتر لإقامة رؤوس جسور، ومحاولة الاستيلاء على -أو تخريب- حقول البترول في أبي رديس، والاستيلاء على شرم الشيخ للتحكم في مدخل خليج العقبة.
وكان وقوع الهجوم ليلًا -كما توقعته المعلومات المخابراتية- يحول بين الطائرات والتصدي للعبور لحين عمل القوات الجوية في الصباح التالي. وقد بدأت أعمال التعبئة، ولكنها كانت تحتاج من 24 - 48 ساعة لاستكمالها، وكان الشعور بالثقة سائدًا، ولكن كان وجه القلق مناقضة الأمر لطبيعة الجيش الإسرائيلي في عدم بدئه بخوض الحرب كما اعتاد، وبالتالي عدم التعبئة لها قبل البدء فيها.
وفي اجتماع عاجل لمجلس الوزراء في تل أبيب، وافقت الحكومة على ما اتخذ من قرارات، ومنها طلب توضيح من مصر وسوريا عن الوضع عن طريق أمريكا، وفي الساعة الثانية وخمس دقائق ظهرًا تم استدعاء دايان إلى غرفة العمليات؛ إذ تعرضت القوات الإسرائيلية للهجوم، وبدأت الحرب.
أحداث اليوم الأول للقتال:
يذكر دايان أن اليوم الأول للقتال كان شاقًّا، فقدت فيه إسرائيل الكثير من الرجال والأراضي، ولكن تقرير رئيس الأركان في العاشرة مساء كان يتسم بالتفاؤل؛ إذ كان المتوقع أن تفوق مصر وسوريا لن يستمر، فبمجرد وصول قوات الاحتياط إلى الجبهات ستستعيد إسرائيل ميزان القوى وعنصر المبادرة، ورغم كثرة المصريين الذين عبروا إلى الضفة الشرقية من عِدَّة نقاط، ورغم الاستيلاء على أحد المواقع الحصينة، ورغم الأعداد الكبيرة من الأسلحة المضادة للدروع التي نقلوها والصواريخ السوفيتية التي يستخدمها الأفراد والتي تجعل الموقف ليس مرضيًا؛ خاصة وأن التعزيزات القوية لن تصل هناك إلا بعد يومين، أي: في صباح يوم 8 أكتوبر، فإن الوضع وَفْقًا لرأي رئيس الأركان قابل للاحتواء.
وطبقًا لهذه الظروف تم تغيير الخطة لمساعدة القيادة الجنوبية بضرب الجبهة المصرية بالطائرات بدلًا من ضرب الجبهة السورية، قال دايان: (وأحسست بالقلق يملأ قلبي إذ لم أشارك رئيس الأركان وقائد القيادة الجنوبية تفاؤلهما. لقد حقق المصريون مكاسب هائلة، وتعرَّضنا لضربة موجعة، فقد عبر إلى المصريون وأقاموا جسورًا نقلوا عليها المدرعات والمشاة، ولم نكن قد فشلنا فقط في منعهم، بل لم نسبب لهم إلا خسائر طفيفة في الأفراد والمعدات).
وأضاف: (ولم تعد مواقعنا الحصينة إلا فخاخًا للموجودين بها إن لم نستطع رد المصريين إلى الضفة الغربية).
وفي العاشرة من مساء أول يوم تم عقد اجتماع للوزارة للاطلاع على مجريات الأمور، وقدَّم رئيس الأركان تقريره؛ يقول دايان: (لكني طلبت الحديث لكي أطلع الوزراء على الموقف بكلِّ قسوته وتقييمي لما قدَّمه رئيس الأركان، وقلتُ: إننا نواجه ثلاثة عوامل بالغة الصعوبة:
أولها: حجم قوات العدو المجهزة بأسلحة تراكمت عبر السنوات الست الماضية، فالجيشان المصري والسوري ليسا الجيشين اللذين عرفناهما عام 1967، بل هي قوات جيدة تم تجهيزها ويملأها التصميم والإصرار.
وثانيهما: هو سلاح الصواريخ بعد تدعيمه بالصواريخ سام 6، وإن لم تستطع قواتنا الجوية قهر هذا السلاح، فلن يمكنها مد يد العون لدباباتنا وتدمير مدرعات العدو).
ويذكر دايان: أنه كان قلقًا ومرهقًا، ويشعر أن زملاءه في الوزارة لم يعجبهم ما ذكره عن نجاح المصريين، ويريدون أن يرد المصريين عبر القناة فورًا؛ إذ كانت تسيطر عليهم روح التفاؤل التي أبداها رئيس الأركان. وفي منتصف الليل تم إبلاغ ممثل إسرائيل في الولايات المتحدة بأنه في غضون أيام سوف يتم طرد المصريين، وأن الموقف رغم النجاح المرحلي للعدو يدعو للرضا.
ويذكر دايان: أنه توجَّه في نفس الليلة بعد اجتماع مجلس الوزراء إلى القيادة العامة الخاصة بالطوارئ، فكان كل هم قادة الجبهات: الدفاع عن خطوطهم ومنع اختراقها إلى أن تصلهم الإمدادات، ثم توجَّه إلى غرفة عمليات الطيران حيث أشار بالحاجة إلى منع الطيران الإسرائيلي لتقدم القوات المصرية قبل إدخالها لقوات مدرعة كبيرة إلى سيناء إلى جانب إسكات بطاريات الصواريخ، وضرب المعابر.
ويذكر دايان: أن خط بارليف -وهو خط الاستحكام الأول- به 16 من الاستحكامات القوية على القناة مباشرة، وهي عبارة عن نقاط أمامية صغيرة لكل نقطة من 20 - 30 جنديًّا، وتبعد عن الأخرى نحو 5 أميال، وقد تعرضت كلها لقصف شديد ومركز ثم هجوم شامل، فكانت كل نقطة تحارب مستقلة وكأنها جزيرة منعزلة.
