حرب العاشر من رمضان كأنك تراها (4)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
يوم العاشر من رمضان (4)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فبعد مضي نصف قرن هجري من الزمان على حرب العاشر من رمضان 1393 إلى رمضان 1443 هـ - السادس من أكتوبر، رَحَل -أو يكاد- مَن حضروا هذه الحرب أو عاصروها؛ فلزم علينا أن نذكِّر الأجيال الجديدة بهذه الحرب المجيدة، وما قدَّم المصريون فيها مِن تضحياتٍ، وما بذلوه من جدٍّ واجتهاد في قوة تحمُّل وصبر، وإخلاص وصدق حقَّقوا به مجدًا كبيرًا في ظروف أسوأ وأصعب بكثيرٍ مِن الظروف التي نعاني منها حاليًا؛ إنها روح العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر التي نفتقدها الآن، ونحن أحوج ما نكون إليها.
لقد أفقدت أحداث ونتائج الساعات الست الأولى من يوم العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر العدو الإسرائيلي كثيرًا مِن توازنه العسكري، فقد كانت مفاجأة العدو بالحرب والعبور للقناة على طول الجبهة بعد ضربة جوية شاملة أصابت أهدافها، وبعد تمهيد نيراني مكثَّف حَرَم العدو من التصدي للقوات العابرة للقناة، ثم محاصرة نقاط خط بارليف، خط الدفاع الأول الثابت للعدو، وعزلها عن بعضها البعض، ثم توغل الجنود المصريون بالأسلحة المضادة للدبابات وللطائرات المحمولة كتفًا خلف نقاط خط بارليف المحاصرة للتصدي لتحركات الدبابات والمدرعات الإسرائيلية الاحتياطية القابعة خلف نقاط خط بارليف، والتي هي خط الدفاع الأول المتحرك، والتي كان لا بد أن تتوجَّه بدورها لإنقاذ ومعاونة نقاط خط بارليف التي تعرَّضت للهجوم، وتم بالفعل منع هذه الدبابات من تقديم المساعدة المطلوبة لنقاط خط بارليف.
ثم كان النجاح مع بدء دخول الليل في استكمال بناء جسور ومعديات وكباري تدفقت عليها القوات المصرية بغزارة من مشاة ودبابات ومدرعات، ومعها الأسلحة الثقيلة على طول القناة طوال ليلة (العاشر - الحادي عشر) من رمضان، كان ذلك كله كفيلًا بفقد العدو كثيرًا من توازنه، ومجبرًا له على مواجهة القوات المصرية طوال يوم الحادي عشر من رمضان السابع من أكتوبر على أوضاعه تلك السيئة؛ انتظارًا لوصول قوات الاحتياط الإسرائيلية الضخمة، والمتوقع اكتمال وصولها ومشاركتها في القتال صباح يوم الاثنين الثاني عشر من رمضان - الثامن من أكتوبر، مع ثقة كاملة من قادة الجيش الإسرائيلي في قدرة هذه القوات بعد اكتمال تعبئتها على قلب موازين الأمور لصالح إسرائيل مهما توغل المصريون، أو فقدت إسرائيل من خسائر في الأفراد والمعدات.
لم يعد هناك حاجر مائي يمنع تدفق المصريين إلى سيناء:
حصون خط بارليف المنيعة لم تعد لها فاعلية، ولم تعد الخط الدفاعي المأمون بعد سقوط ومحاصرة معظمها، وقد استفادت القوات المسلحة من دراسة أوضاع العدو خلال حرب الاستنزاف، فأقامت ساترًا ترابيًّا على الضفة الغربية، وأنشأت عليه مصاطب للدبابات أعلى ارتفاعات الساتر، تمكِّن هذه المصاطب المرتفعة الدبابات عند التقدُّم إليها من السيطرة على الجهة المواجهة لها حتى آخر مدى لهذه الدبابات من خلال الضرب المباشر، وأيضًا استخدام هذه المصاطب في توجيه نيران مدفعيتنا.
كان المتوقع عند الخبراء العسكريين أنه حال توجيه الضربة الجوية الشاملة للعدو على طول الجبهة أن تصل الخسائر إلى 25 % من الطائرات المصرية المهاجمة، ولكفاءة الضربة الجوية كانت الخسائر فقد خمس طائرات فقط من مجموع 220 طائرة، أي: نحو 2 % تقريبًا من عدد الطائرات المهاجمة مع تحقيق نحو 90 % من الأهداف المطلوبة.
وكان المتوقع عند الخبراء العسكريين أنه حال محاولة اقتحام القوات المصرية للقناة أن تكون خسائر الاقتحام 65 % من الأفراد المقتحمين، وبالتالي استحالة -أو صعوبة- استكمال القتال لاسترداد الأرض في ظل هذه الخسائر الفادحة؛ خاصة إذا حوَّل الإسرائيليون سطح القناة إلى نار حارقة بتغطية مياه القناة بالنابالم من خلال خزانات ملحقة بنقاط خط بارليف، بها أطنان من مادة النابالم الحارقة، والتي تمكَّنت القوات المصرية من تعطيلها قبل بدء العبور الكبير حسب الخطة الموضوعة.
وكان المتوقع استحالة التغلب على الساتر الترابي على الضفة الشرقية على طول الجبهة؛ لضخامته، وشدة ارتفاعه، وميله الحاد الذي يصعب معه تسلقه والصعود عليه، فتم إقامة عشرات الفتحات بعرض 6 أمتار للفتحة الواحدة؛ للسماح بإقامة الكباري والجسور عندها، وعبور الدبابات والمدرعات من خلالها، حيث استخدم في إزالة كل فتحة 4 طلمبات مياه نفاثة مستوردة من شركة ألمانية؛ بدعوى استخدامها في مكافحة الحرائق.
والنقاط الحصينة القوية خلف الساتر الترابي والمجهزة كل نقطة منها جيدًا للصمود في قتال يستمر لأشهر تعاملت معها القوات المصرية بعد عبور القناة بسرعة من خلال خطة معدة سلفًا، من خلال حصار النقاط القوية المؤثرة منها والتعامل معها لإسقاطها، ومنع أي نيران تخرج منها تمنع عبور باقي القوات المصرية للقناة، أما النقاط الأقل تأثيرًا فيتم حصارها وشغلها بالاشتباك معها إلى أن يتم استسلامها.
وقد تعَّرفت القوات المصرية خلال حرب الاستنزاف على النقاط الحصينة لخط بارليف، وحدَّدت مدى قوتها، وتأثير كل منها على قواتنا، وبناءً على ذلك بنيت خطة الهجوم والاقتحام.
ومن اليوم الأول للمعركة بدأ سقوط نقاط خط بارليف الواحدة تلو الأخرى، وعند سقوط أول نقطة في يوم العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر، كان طعام الغداء لجنود النقطة موجودًا على الموائد؛ مما يؤكِّد أن وقوع الحرب لم يكن على البال؛ لذا كان الجنود في النقطة يمارسون حياتهم العادية، وهذا ما أكَّده أسرى العدو في هذا اليوم.
لا يقاتلونكم إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر:
