شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

حرب العاشر من رمضان كأنك تراها (4)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

سقطت النقاط الحصينة رغم أنها كانت في مواقع محصنة تحصينًا غاية في القوة، فمتوسط ارتفاع الموقع منها يوازي ارتفاع ثلاثة طوابق، وهي ضاربة في عمق الأرض، جدرانها من الداخل شُيِّدت بحجارة ضخمة صلبة مدعمة بقضبان من الحديد وعروق الصلب، والأبواب صنعت من الحديد الصلب الذي لا يمكن اقتحامه إلا بالنسف المباشر، وكل موقع منها أصله ثابت في باطن الأرض ومقسَّم من الداخل، وترتبط أقسامه بممرات محفورة في الأرض، وبها آلاف من أكياس الرمال بعضها فوق بعض، ومن الخارج غطت كل الجدران والسقوف بأكياس من الرمل تعلوها تلال من الرمال (ردم)، وقد صبت هذه السقوف والجدران بالأسمنت المسلح السميك، وشدت من فوقها ومن تحتها عيدان الصلب لتتحمل الإصابات المباشرة.

والانتقال داخل الموقع يكون تحت الأرض من خلال دهاليز وممرات تربط أجزاءه، وفي داخل الموقع توجد عنابر واسعة لنوم الأفراد، وأماكن لتناول الطعام (الميس)، مزودة بأجهزة سينما للعروض السينمائية، وغرف للمعيشة مزودة بأجهزة الراديو وأدوات التسلية، أما غرف ومقرات القيادة فهي غرف عمليات مزودة بالتليفونات والأجهزة اللاسلكية، وفي أماكن أخرى مطابخ مزودة بالأفران والثلاجات، وهناك أيضًا حمامات مشيدة من الصاج الأبيض، ومخازن للمهمات والطعام والمرطبات، كما توجد عيادة طبية متواجد بها طبيب مقيم مع أفراد الموقع، فكل موقع تم تجهيزه بحيث يستطيع أفراده أن يعيشوا في باطن الأرض لأسابيع طويلة حالة التعرض للهجوم والحصار.

وقد زودت هذه المواقع بملاجئ للدبابات والعربات، وبغرف للاستطلاع ومزاغل للرؤية، ومكامن للأسلحة الخفيفة والمتوسطة؛ بالإضافة إلى المدافع والصواريخ والرشاشات، وقد أعدت ملاجئ للدبابات بحيث تتيح للدبابة الحركة فوق منزلق يتدرج إلى أعلى، وعند المشاركة في الاشتباكات تتحرك الدبابة فوق هذا المنزلق صاعدة حتى تخرج فوهة مدفعها من مخبأها فتطلق نيرانها ثم تعود متحركة إلى أسفل فوق المنزلق فلا يمكن رصد مصدر نيرانها أو ضربه، وزودت بعض المواقع بأكثر من منزلق للدبابات لتتحرك إلى أكثر من اتجاه لتتطلق منها طلقاتها وتعود هابطة، ثم تصعد من فوق منزلق آخر.

وفي غرف العمليات توجد نظارات من نوع خاص تشبه المستخدمة في الغواصات؛ لتمكين أفراد الموقع وهم تحت الأرض من رؤية كل ما يدور فوق سطح الأرض، أي: من داخل مكمنهم، إلى جانب مزاغل للرؤية المباشرة تخترق الجدران في بعض نقاطه المرتفعة، وقد تم إخفائها والتمويه عليها من الخارج؛ بالإضافة إلى مزاغل أخرى تطلق من خلالها قذائف وطلقات أسلحة الموقع.

وهذه النقاط منظمة بطريقة الدفاع الدائري التي توفر الدفاع من كلِّ الجهات حال الهجوم عليها، وقد جهزت هذه المواقع بوسائل الوقاية من الحرب الكيماوية، وأحيطت بحقول من الألغام، وهي تطبق نظام الدوريات المسلحة القوية فيما بينها التي توفِّر اتصال هذه النقط بعضها ببعض، وترصد وتمنع أي تسلل بينها، وفوق ذلك كله فهي متصلة لاسلكيًّا بقيادة القوات الجوية الإسرائيلية كي توفِّر لها الدعم الجوي عند التعرض لخطر، وهذا كله يكشف عن طبيعة المقاتل الإسرائيلي، كما وصفها القرآن الكريم: "لا يقاتلونكم إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر".

لقد خَرَج معظم هذا الخط الدفاعي المنيع من المعركة قبل أول ضوء في اليوم التالي للقتال، منهم مَن استسلم مبكرًا، ومنهم مَن اختفى أفراده داخل ملاجئهم، ولم يتمكَّنوا من إعاقة تقدُّم القوات المصرية إلى داخل سيناء، وقد تعرَّضت المواقع التي لم تستسلم للحصار الشديد، وتم شل فاعليتها في انتظار استسلامها.

ومن تلك المواقع المنيعة التي تم اقتحامها: الموقع المنيع شمال مدينة القنطرة شرق، الذي اختفى أفراده منذ بدء القتال داخل ملاجئهم، وأغلقوا خلفهم المداخل إلى قلب الموقع، وأوصدوا على أنفسهم الأبواب الصلب؛ فاستخدم المحاصِرون للموقع في اليوم التالي من القتال إحدى الدبابات في اختراق مدخل الموقع لتطلق مدفعها على الباب الصلب فتحطمه ليقتحم الرجال أجنحة الموقع وأقسامه وتستولي عليه، وترفع عليه عَلَم مصر.

وفي اليوم الثالث للقتال تكررت القصة مع الموقع الحصين المواجِه لقواتنا المتمركزة جنوب بور فؤاد، وفي اليوم الرابع للقتال سقط موقع حصين آخر قرب منطقة الشط، وكان الموقع مكونًا من ثلاثة طوابق: الطابق الأسفل مجهز بوسائل الإمداد والإعاشة، وبه ماكينة لتوليد الكهرباء وأجهزة للتهوية، ويضم الطابق الأوسط أماكن الإقامة والإعاشة، بينما خصص الطابق العلوي للمراقبة والقتال، ووضع فوق الطابق العلوي ردم رملي لحماية الموقع من الضربات المباشرة، ويضم الموقع 120 فردًا مزودين بالأسلحة والمدافع المتوسطة، ودبابات السنتورين، وعربات نصف مجنزرة، وعربات نقل، وقُرب هذا الموقع وعند لسان بور توفيق شمال خليج السويس كان هناك موقع استسلم قبل ظهر اليوم الثامن للمعركة بعد أن ظل أفراده محاصرون من اليوم الأول للقتال ولمدة أسبوع كامل معهم جرحى وقتلى، بينما كانت قواتنا توغلت لأكثر من 12 كيلو متر وراء الموقع داخل سيناء.

وفي يوم 12 أكتوبر اتصل مندوب الصليب الأحمر في القاهرة بقيادة القوات المصرية، وقدَّم طلبًا باستسلام أفراد الموقع، والتقطت القوات المحاصرة للموقع رسالة تطلب السماح لأفراد الموقع بالاستسلام للقوات المصرية بحضور مندوب الصليب الأحمر، وفي حضور مندوب الهيئة الدولية الذي وجَّه كلماته لأفراد الموقع عبر مكبِّرٍ للصوت للاستسلام بناءً على طلب قيادتهم، ففتح مَن بقي مِن أفراد الموقع باب الدشمة وخرجوا رافعين الراية البيضاء، وكان مِن بينهم طبيب الموقع، وحاخام الموقع، وخمسة عشر جريحًا، تم نقلهم جميعًا بالقوارب إلى الضفة الغربية للقناة حيث تمت مراسم التسليم، وأداء قائد القوة المستسلمة التحية العسكرية لقائد القوة المصرية، كما قام بتسليم العَلَم الإسرائيلي منكَّسًا، وتقديم التحية العسكرية للعَلَم المصري.

ارتباك القيادات الإسرائيلية:

الصفحة السابقة الصفحة التالية