حرب العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر كأنك تراها (5)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
يوم الحادي عشر من رمضان - السابع من أكتوبر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فبعد مضي نصف قرن هجري من الزمان على حرب العاشر من رمضان 1393 إلى رمضان 1443 هـ - السادس من أكتوبر، رَحَل -أو يكاد- مَن حضروا هذه الحرب أو عاصروها؛ فلزم علينا أن نذكِّر الأجيال الجديدة بهذه الحرب المجيدة، وما قدَّم المصريون فيها مِن تضحياتٍ، وما بذلوه من جدٍّ واجتهاد في قوة تحمُّل وصبر، وإخلاص وصدق حقَّقوا به مجدًا كبيرًا في ظروف أسوأ وأصعب بكثيرٍ مِن الظروف التي نعاني منها حاليًا؛ إنها روح العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر التي نفتقدها الآن، ونحن أحوج ما نكون إليها.
كان يوم الحادي عشر من رمضان - السابع من أكتوبر أشبه بامتداد لليوم الذي قبله، من ساعاته الأولى كانت القوات المصرية مشغولة بإكمال عبور وتدفق القوات الرئيسية إلى شرق القناة والانضمام إلى التشكيلات المشاركة في القتال مع الاستعداد لصد أي هجوم مضاد متوقع من العدو.
وكان الهدف الرئيسي يتضمن الإسراع في السيطرة على الأرض في داخل سيناء بعمق من 10 إلى 12 كيلو متر على طول خط المواجهة، وطوله 160 كيلو متر، فهو المدى الذي يمكن لصواريخ الدفاع الجوي تقديم التغطية والحماية المطلوبة للقوات المصرية البرية في معاركها في مواجهة الطيران العدو، ويدخل في هذا الهدف الرئيسي: تحرير مدينة القنطرة شرق؛ وذلك لأن القنطرة شرق تسيطر تمامًا على مداخل المحور الشمالي، وامتداد هذا المحور يصل مباشرة إلى فلسطين المحتلة، والمدينة محاطة بسبع نقاط محصنة تحصينًا قويًّا من كلِّ الأجناب تجعلها قلعة عسكرية.
وكانت خطة العدو الإسرائيلي في يوم السابع من أكتوبر، وهو في انتظار استكمال تعبئة قوات الاحتياطي ودخولها المعركة في صباح اليوم التالي يوم الاثنين 8 أكتوبر تقوم على:
- التمسك بمواقع خط بارليف.
- إيقاف تقدُّم القوات المصرية وإنزال أكبر قدرٍ من الخسائر بها.
- القيام بهجوم مضاد بالقوات الإسرائيلية المدرعة الموجودة في شرق القناة، وكانت تقدَّر بعدد 3 لواءات مدرعة تدعمها القوات الجوية.
- بدأت القوات الجوية الإسرائيلية نشاطًا مكثَّفًا مع تباشير صباح الحادي عشر من رمضان السابع من أكتوبر، واستمر هذا النشاط طوال اليوم وامتد إلى الليل.
وكان الغرض من هذا النشاط:
- معاونة القوات بالهجمات المضادة ضد القوات المصرية.
- معاونة القوات الموجودة في نقاط خط بارليف التي لم تسقط بعد.
- مهاجمة المعابر المقامة على قناة السويس.
- مهاجمة حائط الصواريخ والمطارات الأمامية التي تخدم القوات المصرية.
وكان الهدف واضحًا:
- إيقاف تدفق وتقدُّم القوات المصرية بتدمير وسائل العبور المقامة على القناة.
- محاولة تدمير وإرغام القوات المصرية التي نجحت في العبور على العودة غربًا من جديد.
- إضعاف وسائل الدفاع الجوي المصري؛ خاصة حائط الصواريخ، واستعادة السيطرة الجوية المعهودة للقوات الجوية الإسرائيلية.
- وتميز نشاط العدو نهارًا في ثلاث هجمات جوية مركَّزة، جاءت الأولى في الساعة السادسة صباحًا، والثانية في الساعة الثالثة والنصف ظهرًا، والثالثة في الساعة السادسة والنصف مساء.
وقد أشرك العدو مدفعيته بعيدة المدى في ضرب كتائب الصواريخ الأمامية في المنطقة شمال الإسماعيلية قبل مهاجمة الطيران الإسرائيلي لهذه الكتائب بفترة زمنية قليلة، بغرض إحداث خسائر في معدات كتائب الصواريخ وتعطيلها عن العمل لإنجاح الضربة الجوية، ولكن لم تحدث مدفعية العدو أي تأثير يذكر.
وقد تمكَّن طيران العدو في القطاع الشمالي في المنطقة الممتدة بين الإسماعيلية والفردان من مهاجمة كتيبتي صواريخ سام 3 في محاولة يائسة لفتح ثغرة في حائط الصواريخ في هذا الاتجاه، ولكن فشل الهجوم حيث ألقت الطائرات المهاجمة حمولتها بعيدًا عن الكتيبة الأولى، وتم تدمير طائرة مهاجمة، بينما أسقطت عدة قنابل قرب الكتيبة الثانية تسببت في إصابة بعض الأفراد وأدَّى انفجارها إلى تعطل بعض معدات الكتيبة لمدة زمنية قصيرة أمكن فيها إصلاحها، وتم تدمير طائرة أخرى للعدو بينما لاذت باقي الطائرات المهاجمة بالفرار.
وتكررت محاولات مهاجمة حائط الصواريخ، فكانت النتيجة مزيدًا من الخسائر دون التمكُّن من تدمير أي كتيبة صواريخ، وقد قام الطيران الإسرائيلي بمحاولة مهاجمة المطارات الأمامية في المنصورة وطنطا، ومطارات جناكليس، والقطامية والصالحية، وهي المطارات التي تخدم جبهة القتال حيث تتمركز فيها معظم القوات الجوية المصرية، فهاجمت من 4 إلى 6 طائرات من الطيران الإسرائيلي؛ كل مطار منهما بغرض تدمير ما بها من طائرات في دشمها أو تدمير ممراتها لتعطيلها أكبر مدة ممكنة حتى يتم إصلاحها، وبالتالي حرمان القوات البرية المصرية من معاونة هذه القوات الجوية، ولكن الهجوم لم ينجح في تحقيق أهدافه.
وكانت المحصلة بقاء حائط الصواريخ كالطود الشامخ، وتعطل بعض المطارات، لكن لمدة وجيزة، وباءت كل محاولات الاقتراب من المعابر لمهاجمتها بالفشل، ولكن تعرضت المعابر في قطاع الحيش الثالث لضرب مركز من مدفعية العدو -لا طيرانه-، فأعطيت الأوامر الصارمة للوحدات هناك بالدفاع عن هذه المعابر.
وقد قامت قوات الاحتياط الإسرائيلية خلف خط بارليف بهجوم مضاد قوي في يوم السابع من أكتوبر باستخدام لواء مدرع تقريبًا في كلِّ قطاع مِن قطاعات الجبهة؛ بدءًا من محور القنطرة ثم المحور الأوسط ثم المحور الجنوبي، على أن يُخصص لهذا الهجوم مجهود جوي كبير، وقد فشلت كل تلك الهجمات؛ خاصة مع فشل القوات الجوية الإسرائيلية في تقديم المعاونة للقوات البرية التي تقوم بالهجوم المضاد، فأرسلت في صباح ذلك اليوم أول طلعة من طائرات العدو الميراج لمعاونة الدبابات القائمة بالهجوم على محور القنطرة فلم تعد من هذه الطلعة أي طائرة، وتكرر الأمر على المحاور الأخرى، وتساقطت الطائرات وفشل الهجوم؛ إذ كيف تنجح القوات البرية دون معاونة من القوات الجوية؟!
