شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

حرب العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر كأنك تراها (5)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

فأصبح موقف العدو سيئًا، وأدَّى إحباط الضربة الجوية المضادة خلال يوم السابع من أكتوبر إلى تمكين قواتنا البرية من إتمام إقامة الكباري وإتمام عبور الوحدات المدرعة وأسلحة الدعم اللازمة للقوات في الشرق.

وقد أذاعت محطة الإذاعة البريطانية في العاشرة مساءً بناءً على ما أعلنه قائد القوات الإسرائيلية في سيناء بأن أكثر من 400 دبابة مصرية تمكَّنت من عبور القناة إلى الضفة الشرقية، وأن السيادة الجوية للقوات الإسرائيلية قد تخلخلت بفضل شبكة الصواريخ المصرية.

وقد يسَّر حائط الصواريخ بنهاية يوم 7 أكتوبر عبور 5 فرق مشاة، وعِدَّة مئات من الدبابات والأسلحة المعاونة على الكباري المحدودة أمام قوة جوية لها وزنها وثقلها، فكان نجاحها في هذا نجاحًا عظيمًا، وهو ما علَّق عليه وزير الجيش الأمريكي في تصريح له قال فيه: (إن عبور الجيش المصري للقناة رغم التفوق الجوي الإسرائيلي يعتبر نقطة تحول في الحرب الحديثة، سيكون من شأنها إحداث تغيرات جذرية في الإستراتيجيات العسكرية في العالم).

تحرير القنطرة شرق:

بدأت المعارك البرية لتحرير القنطرة شرق من يوم العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر بعد عبور القناة، قامت بها الفرقة 18 مشاة بقيادة العميد فؤاد عزيز غالي، وامتد القتال إلى الليل واستمر بلا انقطاع حتى يوم الحادي عشر من رمضان - السابع من أكتوبر، حيث سقطت القلاع التي تحصِّن القنطرة شرق، وتمت محاصرة المدينة خارجيًّا وداخليًّا، وبقي تحرير داخل المدينة نفسها، فتحول القتال من قتال كان في الصحراء إلى قتال شرس داخل المدينة في شوارعها ومبانيها، استمر حتى انهارت مقاومة القوات المعادية، وبالفعل تمت السيطرة على المدينة بعد قتالٍ عنيفٍ استمر إلى العاشرة مساءً، وتم أسر مَن بقي مِن جنود العدو في المدينة والاستيلاء على كميات من الأسلحة والمعدات، وعدد من دبابات العدو، أي: سقطت المدينة وحصونها بعد 32 ساعة من القتال المستمر من بدء الحرب.

ومع صباح الثامن من أكتوبر استكملت عمليات تطهير المدينة من جنود العدو وسط فرحة عارمة من أهالي المدينة، وفي مساء يوم الثامن من أكتوبر أذاعت إذاعة القاهرة نبأ تحرير المدينة، وبالطبع أثَّر سقوط القنطرة شرق على معنويات العدو.

وكانت خسائر العدو في يوم 7 أكتوبر 32 دبابة؛ بالإضافة إلى أعداد كبيرة من المجنزرات، واستسلام عدد من ضباط وجنود العدو، وقد فقدت قواتنا في هذا اليوم 6 طائرات خلال الاشتباكات الجوية، وشهدت إسرائيل عقد اجتماعين لوزارة الحرب في يوم السابع من أكتوبر، الأول كان في السابعة صباحًا، والثاني في الخامسة مساءً، كان فيهما ديان وزير الدفاع غير متفائل بسبب خطورة الموقف، بينما علَّق رئيس الأركان الآمال الكبيرة على الهجوم المضاد المنتظر في اليوم التالي -الاثنين 8 أكتوبر- بعد استكمال التعبئة.

قال ديان بعد مرور يوم واحد من المعركة: (إني أريد أن أصرِّح بمنتهى الوضوح بأننا لا نملك الآن القوة الكافية لإعادة المصريين إلى الخلف عبر قناة السويس مرة أخرى، إن المصريين يملكون سلاحًا متقدمًا وهم يعرفون كيفية استخدام هذا السلاح ضد قواتنا، ولا أعرف مكانًا آخر في العالم كله محميًّا بكلِّ هذه الصواريخ كما هو في مصر. إن المصريين يستخدمون الصواريخ المضادة للدبابات والطائرات بدقة ونجاح تام، فكل دبابة إسرائيلية تتقدَّم نحو المواقع المصرية تصاب وتصبح غير صالحة للحرب).

وفي الثامنة مساءً عَقَدت جولدا مائير اجتماعًا لمجلس الوزراء بكامل هيئته، وأبلغتهم لأول مرة بحقيقة الموقف بأن مجموع خسائر إسرائيل بلغت حتى وقت الاجتماع 40 طائرة و200 دبابة، فقرر المجلس طلب النجدة من أمريكا لتعويض هذه الخسائر التي تكبَّدتها إسرائيل في الأربع وعشرين الساعة الماضية في الطائرات والدبابات بأسرع ما يمكن.

قرار مجلس الوزراء وصل إلى كيسنجر وزير خارجية أمريكا في التاسعة و40 دقيقة صباحًا بالتوقيت الأمريكي، وقد تضمن نقطتين:

الأولى: أن إسرائيل تواجه الأمور بشجاعة وحزم في انتظار إتمام دعوة الاحتياطي لبدء الهجوم المضاد.

الثانية: طلب تعويض الخسائر التي تكبدتها إسرائيل على وجه السرعة، لكن وزارة الدفاع الأمريكية رأت أن إسرائيل -على الأقل- حتى هذه اللحظات لا تحتاج لأسلحة جديدة، فلديها في ترسانتها ما يكفيها، وأن تورط أمريكا في إرسال أسلحة إلى إسرائيل يجعلها أمام العالم غير محايدة.

وهنا تدخل اليهودي كيسنجر كما ذكر في مذكراته بتوصيته لإقناع نيكسون رئيس أمريكا بتعويض إسرائيل عن خسائرها في الحرب كي تصحح موقفها العسكري خلال يومين أو ثلاثة، وأنه مع انتهاء حالة لا سلم ولا حرب، ووقوع الحرب هناك فينبغي عدم السماح بهزيمة إسرائيل، ولو أدَّى الأمر إلى التدخل الأمريكي المباشر.

ومع نهاية يوم 7 أكتوبر بلغت نقاط العدو الحصينة التي سقطت 23 نقطة، احتلتها القوات المصرية، ويوم 8 أكتوبر ارتفع العدد إلى 29 نقطة، وسقطت نقطة لسان التمساح المنيعة يوم 13 أكتوبر؛ فلم تبقَ إلا نقطة واحدة فقط لم تسقط، ولكنها لم تكن تمثِّل خطرًا على القوات المصرية.

ويذكر ديان في مذكراته عن حرب أكتوبر: أن سقوط هذه النقاط كان نتيجة لعزلها عن باقي القوات الإسرائيلية، وأنها لم تكن مستعدة لمواجهة مثل هذا الهجوم الضخم المكثَّف، ورغم قتالها بشجاعة، لكن قُتِل الكثير من ضباطها، ورفضت الأوامر بالاستسلام أو الجلاء فحوصرت حتى انقطعت اتصالاتها بكل القوات، فلم يعد لها القدرة عل التمسك بالنقاط، وكان أقوى ما في هذه الاستحكامات هو الجزء الذي يقع تحت الأرض، ويضم حجرة العمليات ومضاجع الجنود، أما مراكز إطلاق النار وخنادق المواصلات، فكان من الضروري أن تكون على سطح الأرض، فسقطت هذه المواقع المكشوفة عندما تعرضت للقصف ثم نيران الحصار، وقتل رجالها أو أجبروا على المغادرة، وكانت آخر نقطة تسقط ويؤخذ رجالها أسرى هي نقطة (ماسريك) التي تحكم المدخل الجنوبي لقناة السويس.

الصفحة السابقة الصفحة التالية