حرب العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر كأنك تراها (5)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
ويذكر ديان: أن الدبابات التي كانت معدة للربط بين النقاط الحصينة، وتقديم العون لها كانت على بعد 6 أميال للخلف، وعندما حاولت التقدم للأمام وجدت المصريين قد سبقوها إلى هناك، وتعرضت لنيران عنيفة، وتم تدمير معظمها وشل فاعليتها.
ويرى ديان: أن رجال التحصينات لم يتم اختيارهم جيدًا، فكان معظمهم من قدامى الاحتياط، مَرَّ عليهم عامان دون تدريبات، وحالتهم النفسية لم تكن مهيأة للحرب، كما أن الأسلحة وأجهزة الإشارة كانت في مستوى أقل من المقبول نتيجة لحالة السلم، ولم تلقَ إمدادات وتعزيزات تمكنها من الحفاظ على أصعب خطوط الجيش المتقدمة، وهو خط القناة.
وكلام ديان يدينه ويدين كل قياداته العسكرية أن يكون هذا حال قواته على أهم جبهة قتالية عنده، ويبيِّن كلامه بوضوح عنصر المباغتة والمفاجأة التي وضعته فيه القيادة المصرية.
يقول ديان في مذكراته: (غير أن الضغط الرئيس عسكريًّا ونفسيًّا، جاء عندما تدفق آلاف الجنود معهم الدبابات، واقتحموا الاستحكامات واخترقوا حقول الألغام والبوابات، وتصدي المدافعون للمهاجمين، وعندما كانت مواقع إطلاق النار تسقط أو تخلي كان رجالنا ينتقلون إلى مواقع أخرى، وهم مستمرون في قتال الأعداء، وبمرور الساعات أصبح واضحًا للجنود أن موقفهم يزداد صعوبة، وأن احتمال وصول إمدادات لهم أصبح سرابًا، فقد سُدَّت الطرق أمام وصول الدبابات إليهم، واحترقت الدبابات التي حاولت ذلك، وبدأ الرجال يطالبون بإخراجهم مما هم فيه).
ويضيف ديان: (وعلى أية حال، فإن المصريين لم يتقدَّموا خلال اليومين الأولين أكثر من بضعة أميال، وكان الوقت كافيًا لكي نعبئ كل الاحتياطي، وتصل الإمدادات إلى ميدان القتال).
ويقول ديان في مذكراته أيضًا عن أحوال جيشه في يوم السابع من أكتوبر: (في الساعات الأربع والعشرين الأولى من نشوب الحرب أصبحنا لا نملك سوى قوة ضئيلة من المدرعات على الجبهة المصرية، وما أن انهار خط الدفاع الأول حتى تدفَّق المصريون على سيناء بقوات ضخمة وبقوة هائلة من الأسلحة، وقاتل لواء دبابات الجنرال (ألبرت ماندلر) ببسالة لإيقاف تقدُّم المصريين، ولم يكن اللواء منتشرًا وَفْق خطة الطوارئ في موقعه عندما بدأت الحرب؛ ولذا فإنه ما إن تقدَّم نحو القتال حتى تعرَّض لنيران عنيفة من الدبابات المصرية بالضفة الشرقية، ودارت معركة عنيفة ووحشية طوال بعد ظهر هذا اليوم.
وازداد الموقف سوءًا أثناء الليل، وعند الفجر وصلت موجات جديدة من المدرعات والمشاة المصريين، وكانت قواتنا قد تكبَّدت خسائر فادحة في الرجال والمدرعات خلال هذه المعركة المستمرة، ولم يبقَ سوى عدد قليل من دباباتنا قادر على الاستمرار في القتال، وقد نجحوا في وقف قوة اندفاع تقدُّم المصريين، ولكنهم فشلوا في إعادتهم مرة أخرى عبر القناة).
ويذكر ديان: أنه توجَّه إلى القيادة المتقدمة في الجبهة الجنوبية (أي: الجبهة المصرية) وعاد إلى تل أبيب، حيث عرض على رئيسة الوزراء في اجتماع مجلس الوزراء إخلاء خط القناة و الانسحاب إلى خطٍّ جديدٍ، وأعرب عن أنه ليس في المقدور إعادة المصريين إلى الضفة الغربية، واقترح طلب دبابات وطائرات من أمريكا والدول الأوروبية.
قال ديان: (وبدا واضحًا من أسئلتهم واستجواباتهم بعد هذه الملاحظات القاسية: أن الضعف ليس ناتجًا عن الموقف العسكري الحالي، وإنما من شخصيتي أنا وأنني فقدت الثقة، وأن تقديري للموقف ليس صحيحًا، وأنني متشائم للغاية).
وأضاف: (وافق رئيس الأركان على وجهة نظري بالنسبة للموقف، وأبدى استعداده لإقامة خط دفاع ثان، ولكنه يرغب في القيام بهجوم مضاد في هذا المساء يستخدم فيه تشكيلات "شارون" و"برن").
وقال ديان: (وكانت مؤشرات الحقيقة تقول: إنه إذا استمرت خسائرنا في القتال على هذا المعدل؛ فإننا سنجد أنفسنا في منتصف الحملة -يعني الحرب- بدون قوات فَعَّالة).
وقال: (وسافر رئيس الأركان إلى سيناء وطلبني تليفونيًّا من هناك؛ ليخبرني أنهم قرروا القيام بهجوم مضاد صباح الاثنين 8 أكتوبر. وعاد في منتصف الليل حيث توجهنا إلى حجرة العمليات لنسمع التفاصيل في اجتماع مجموعة العمليات).
بطل بدون بِذْلة عسكرية وبدون إطلاق رصاصة واحدة:
إذا كان لحائط الصواريخ دوره الكبير في حرب أكتوبر، فهنا ينبغي الإشارة لدور كبير وراء تحقيق هذا النجاح للعالم الدكتور محمود يوسف سعادة الذي قام بحلِّ معضلة كادت تؤثِّر بالسلب على مشاركة وفاعلية حائط الصواريخ في حرب العاشر من رمضان، فما دور دكتور سعادة؟
عقب طرد السادات في عام 1972 للخبراء السوفييت الذين كان منهم مشرفون على حائط الصواريخ تراخى وتعنت الاتحاد السوفيتي في مدِّ الجيش المصري بالأسلحة، وتوريد الوقود اللازم لتشغيل حائط الصواريخ، وتأزم الموقف خلال عام 1973 مع انتهاء صلاحية وقود الصواريخ، فأصبح حائط الصواريخ مهددًا بالخروج من الخدمة، وكان لا بد من اللجوء إلى إيجاد حلول سريعة، فشراؤه من الخارج مكلَّف، وكميات الشراء الكبيرة ملفتة لأنظار مخابرات العدو، وتضر بالخداع الإستراتيجي للحرب.
ولم تستطع الأجهزة الفنية والمعامل داخل القوات المسلحة التغلُّب على المشكلة، فتقرر الاستعانة بالمدنيين، حيث أوكلت هذه المهمة الخطيرة للشاب الدكتور محمود سعادة الأستاذ في قسم التجارب نصف الصناعية بالمركز القومي للبحوث الذي تحمَّس لحلِّ المشكلة في سرية تامة، فكان يخرج من عمله الحكومي اليومي فيتجه إلى معامل الجيش لمواصلة جهوده العلمية إلى الليل.
وبعد بحث ودراسة لمدة شهر متواصل استطاع دكتور سعادة استخلاص 240 لتر وقود جديد صالح للاستخدام من كميات الوقود منتهية الصلاحية، واستطاع فك شفرة وقود الصواريخ والتعرُّف على مكوناته الأساسية، ونسب كل منها بدقة، وأجريت التجارب على الوقود الجديد بإطلاق أحد الصواريخ بعد شحنه بهذا الوقود وثبتت فاعليته، وتم شراء مكونات الوقود من الخارج على أنها مواد كيماوية تستخدم في الصناعات، مما مَكَّن القوات المسلحة مِن توفير عشرات الأطنان اللازمة من هذا الوقود بعثت الطمأنينة لقادة الجيش، واتخذوا بناءً على ذلك قرار دخول الحرب.
