حرب العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر كأنك تراها (6)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
قامت خطة المواجهة للهجوم المضاد على استدراج قوات العدو على الدخول في جيب نيراني يتم إعداده ودفع العدو على الدخول فيه؛ لذلك تم عمل تنظيم دفاعي على هيئة آتون من النيران مكوَّن من أربعة أضلاع تركزت فيه كل أنواع الأسلحة المضادة للدبابات من صواريخ ومدافع (آر بي جي)، ودبابات موزعة في مساحة تبلغ 15 كيلو متر مربع، الضلع الأمامي لهذا المربع هو خط الدفاع الأول للفرقة الثانية مشاة، والأضلاع الثلاثة الأخرى أشبه بصندوق غطاؤه هو هذا الخط الأمامي، على أن يقوم خط الدفاع الأمامي بالسماح لقوات العدو المهاجمة باختراق خط دفاعه حتى دخول آخر دبابة للعدو داخل الصندوق، وبعدها يتم إغلاق الضلع الذي كان مفتوحًا، ويبدأ إطلاق النار على مؤخرة العدو وعلى كلِّ قواته داخل الصندوق المغلق مِن كلِّ جهات أضلاع آتون النيران الأخرى.
وكان هجوم العدو بتشكيل من الدبابات على شكل سهم وفي قوات متتابعة، وكان يؤمن هجومه بالطيران، وصدرت الأوامر إلى قائد الكتيبة في مواجهة العدو بالسماح للعدو بالاختراق حيث سيتم ضربه في الداخل، وكان صعبًا على قائد الكتيبة المقدم (إبراهيم زيدان) -والذي استشهد فيما بعد- السماح لدبابات العدو باختراق دفاعه بدون مقاومة، ولكنه امتثل للأوامر ونزل في الحفر مع رجاله، ومرت عشرات الدبابات في مشهد رهيب، أعداد كبيرة أصواتها مرعبة ومعها زئير الطائرات من فوقها يصحبها زوبعة مفزعة من الرمال، كانت مدرعات العدو تنطلق بسرعة عالية، وفي الوقت نفسه كانت القوات المصرية تضرب الطلقات على جانبي طريق الدبابات لمنع تفرقها في عدة طرق والإبقاء عليها متجمعة في طريق واحد.
جاوزت مدرعات العدو الخط الأمامي للقوات المصرية وتوغلت الدبابات لمسافة نحو ثلاث كيلومتر، ووقعت فعلًا في الكمين المعد لها، وبدأ إطلاق النار عليها من جميع الجهات، من الأمام ومن اليمين ومن اليسار، وشاركت كتيبة إبراهيم زيدان التي تركت الدبابات تخترقها في ضرب مؤخرة مدرعات العدو من الخلف، بعد أن تقدَّمت واتجهت نحوه فلم يكن هناك مجال للعدو للانسحاب، وفوجئت دبابات العدو بالنيران مفتوحة عليها من أربع جهات في وقت واحد، فكانت أكبر مذبحة للدبابات في التاريخ العسكري، انتهت بتدمير أكبر عدد من المدرعات في أقل زمن في التاريخ العسكري، وباء الهجوم المضاد بالفشل الذريع.
ولم تنتظر القوات المصرية تفقد نتيجة المعركة، بل سارعت على الفور بمجرد تدمير دبابات العدو إلى تطوير هجومها والاستيلاء على مركز قيادة العدو في (تبة الشجرة) الذي سرعان ما هرب منه جنوده.
وازدادت مأساة العدو في هذا اليوم بفشل الهجمات المتكررة طوال النهار حتى بعد القيام بسحب بعض القوات الإسرائيلية الموجودة في مواجهة الجيش الثالث لتعزيز الهجوم على الجيش الثاني، بل اضطرت القوات الإسرائيلية إلى التراجع للخلف أكثر، وازداد الأمر سوءًا بوقوع العقيد الإسرائيلي (عساف ياجوري) قائد الكتيبة 190 من اللواء 217 مدرع في الأسر، الذي شارك بكتيبته في هجوم مضاد صباحًا وخسر فيه بعض الدبابات، ثم شارك في الهجوم المضاد الرئيسي من اتجاه المحور الأوسط ظهرًا فأصيبت دباباته، واختبأ في حفرة صنعتها دانات المدافع والصواريخ، فلما تقدَّم إليه عدد من الجنود المصريين ألقى سلاحه رافعًا يديه مستسلمًا معرِّفًا بنفسه وبرتبته.
وقد كتب عساف ياجوري مقالًا بعد عودته إلى إسرائيل في جريدة (معاريف) الإسرائيلية في 7 فبراير 1975 يعبِّر فيها بأسى ومرارة عن الهزيمة التي نالته ورجاله، كتب يقول فيه: (لماذا تركوا صدورنا عارية على جبهة الفردان يوم الثامن من أكتوبر؟).
وفي مساء يوم الثامن من أكتوبر أسقط رجال المشاة المصريون بقيادة العميد شفيق متري (تبة الطالية) والتي تعد من المواقع الإستراتيجية المهمة، وأحد مراكز قيادة العدو المجهزة، والتي تقع في منطقة حاكمة، وذلك بعد معارك طاحنة انتهت بفرار مدرعات العدو وسقوط التبة.
وقد حاول العدو في إصرار وعناد استعادة تبة الطالية بالكثير من الهجمات المضادة، لكنها فشلت جميعها، وقد شهدت تبة الطالية يوم 9 أكتوبر مقتل العميد شفيق متري دفاعًا عنها، وتسلَّم القيادة من بعده العميد (محمد علي الكسار) الذي واصل الاحتفاظ طوال المعارك بتبة الطالية مصرية.
وفي يوم الثامن من أكتوبر أيضًا قرَّر العدو أن يوجه ضربة عنيفة للقنطرة شرق باستخدام لواء مدرع تحرك من منطقة (رمانة) في اتجاه القنطرة شرق، وتمكنت وسائل الاستطلاع المصرية من رصد ذلك، وتم إبلاغ العميد فؤاد عزيز غالي قائد الفرقة 18 المتواجدة بالقنطرة بالموقف، فتم ترقب العدو عند نقطة ذات مكان مرتفع يطل على جبهة القتال يمكن منها تحديد الموقف وتقدير الوقت ومفاجأة العدو، وبالفعل فوجئت قوات العدو بقصف نيراني شديد أوقع الارتباك بين صفوفها، وسرعان ما ظهرت -وفي الوقت المناسب- طائراتنا لتضرب قوات العدو بعنفٍ، وكان نتيجة المعركة كما ذكر أحد الأسرى إبادة 70 % من هذا اللواء المدرع الإسرائيلي.
قال العميد فؤاد غالي في حديث له: (كان مشهد الطيران المصري مثيرًا وممتعًا حقًّا، ولم يكتفِ طيار واحد بضربة واحدة... كان بعضهم يدور ثلاث دورات ويضرب ويضرب ويضرب). ولما سئل: ولماذا لم ينجح طيران العدو في حماية اللواء المدرع المهاجم؟ أجاب: (الملاحظة العامة أن طيرانه كان مهزوزًا في هذه المراحل الأولى من القتال بعد أن سقط منه الكثير).
وفي هذا اليوم تمت السيطرة أيضًا على نقطة قوية للعدو، وهي منطقة النقطة 57، والتي تقع على مسافة 8 كيلو متر من القناة جنوب غرب الطالية؛ فقد كان من تجهيزات العدو تجهيز نقط قوية في عمق دفاعاته بغرض الدفاع عن عمق سيناء، وسد الثغرات بين النقاط القوية الموجودة على القناة مباشرة؛ خاصة على المحاور والطرق الرئيسية المؤدية إلى قلب سيناء، وقد أقام العدو في مواجهة المحور الأوسط ثلاث نقاط قوية: في منطقة الشجرة على محور الإسماعيلية / أبو عجيلة، وفي منطقة الطالية، التي تم الاستيلاء عليها في اليوم الأول للهجوم، وفي المنطقة 57.
