شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

حرب العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر كأنك تراها (6)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

والنقطة 57 تتكون من تجهيزات هندسية حصينة محاطة بألغام وأسلاك شائكة تمنع الدخول إليها إلا من ثغرتين فقط: مرابض وحفر الدبابات، والمراكب والمدافع خارج النقطة، وخنادق مواصلات مكسوة بالصاج المعرج، وللنقطة برج داخلي للملاحظة به منظار ضخم، وفيها 8 حجرات لراحة الأفراد في كلٍّ منها سريران، وتتوفر بها الاتصالات التليفونية واللاسلكية، ومكدس بها الذخائر والمياه والتعيينات، وبها ماكينة كهرباء، وبجوارها موقع يتسع لسرية دبابات وسرية مدفعية ثقيلة من عيار 175 ميلليمتر ذاتية الحركة وموقع فصيلة مشاة.

وقد تم عمل إخفاء وتمويه ممتاز لموقع النقطة؛ لذا لم يظهر ولم يكتشف الموقع في الأيام الثلاثة الأولى من الحرب، ولكن أثناء استئناف القتال يوم الثامن من أكتوبر فتحت هذه النقطة النيران من الداخل والخارج على كتائب من النسق الأول لقواتنا بعد أن تجاوزتها لقطع خط الرجعة عليها، فاكتشفتها وتعاملت معها كتيبة مركبات مدرعات كانت تعمل في النسق الثاني فقامت بالاشتباك معها، ونجحت في تدمير دبابتين وثلاث عربات واحد ونصف طن، وفرت دبابة وعربة مدرعة، وتم السيطرة على النقطة واقتحمتها سرية مشاة واستولت عليها، وقد حاول العدو استرداد هذه النقطة الحيوية في يوم التاسع من أكتوبر أربع مرات ولم تنجح محاولاته، بل زادت خسائره.

حشد العدو في يوم الثامن من أكتوبر كل إمكانياته الجوية لتدعيم هجماته المضادة طوال النهار وفي الليل، واتسمت هجمات القوات الجوية الإسرائيلية ضد القوات المصرية والمعابر وحائط الصواريخ بالعنف والشراسة، وقد تميز مجهود العدو في هذا اليوم بأربع هجمات مركزة، ولكن دون جدوى، تخللتها هجمات متفرقة؛ بالإضافة إلى مهاجمة مدينة بورسعيد بهجمتين جويتين، وبعض الهجمات بطائرات مفردة أو في هيئة أزواج.

ولقد تمكَّن حائط الصواريخ في يوم الثامن من أكتوبر من تدمير 33 طائرة للعدو منها 38 مؤكدة، بينما كانت خسائر الطيران الإسرائيلي في يومي 6 و7 أكتوبر 54 طائرة بين مؤكدة وغير مؤكدة، فبلغت بذلك خسائر العدو بانتهاء يوم 8 أكتوبر نحو ما يقرب من 17 % من إجمالي القوات الجوية للعدو.

وفي ضوء الفشل المتكرر قام العدو بمهاجمة موقع رادار العين السخنة جنوب السويس بنحو 30 كيلومتر منتهزًا فرصة أن الرادار خارج التغطية بالصواريخ، وذلك بواسطة 4 طائرات على ارتفاع أكبر من 2 كيلو متر لتجنب الاشتباك مع عناصر الدفاع الموجودة بالموقع، وقد تمكن من إلحاق خسائر محدودة بمعدات الموقع، كما حاول انتهازًا للفرصة إتمام مهامه بالهجوم على القوات والمعابر وكتائب الصواريخ مع عدم المخاطرة، ولكن لم تمكنه وحدات الصواريخ من النجاح في ذلك.

وقد قام طيران العدو في هذا اليوم ولأول مرة منذ بداية الحرب بمهاجمة مدينة بورسعيد؛ فقد اشتبكت وحدات الصواريخ في بورسعيد اشتباكات محدودة مع العدو في يومي 6 و7 أكتوبر بغرض منع طائرات العدو من مهاجمة قواتنا المتقدمة بحذاء ساحل البحر الأبيض المتوسط للاستيلاء على النقطة الحصينة للعدو شرق بور فؤاد، وكذلك قواتنا المتقدمة بحذاء الضفة الشرقية للقناة للاستيلاء على النقطة الحصينة عند الكيلو 11.، وخلال هذين اليومين لم تحاول الطائرات الإسرائيلية مهاجمة مدينة بورسعيد ولا وحدات الصواريخ التي تقوم بالدفاع عنها، ولكن في الثامن من أكتوبر هاجم العدو تجمع الصواريخ المكلف بالدفاع عن بورسعيد ولأول مرة، وكان الهجوم محاولة للانتقام لخسائره الكبيرة في الطائرات وفقده عدد كبير من طياريه المحترفين، وكذلك لرفع معنويات طياريه التي انهارت من فداحة الخسائر في الطائرات، والتي أدَّت إلى إضراب بعض الطيارين وتقديم البعض منهم للمحاكمة فأعدم بعضهم، وتقرر ربط الطيارين بالسلاسل في طائراتهم حتى لا يهبطوا بالمظلات فرارًا من الصواريخ!

وكانت الهجمة الأولى في الساعة 30و11 صباحًا باستخدام 16 طائرة واستمرت لمدة نصف ساعة، بينما كانت الهجمة الثانية في الساعة 30و3 ظهرًا باستخدام 24 طائرة على موجتين تخللتهما هجمات فردية، وقد تمكَّن العدو في هذا الهجوم من إسكات عدة كتائب صواريخ، وتمكنت الوحدات من تدمير بعض طائرات العدو.

وقد وجَّهت طائراتنا في هذا اليوم ضربة مركزة لمطارات العدو في سيناء، والتي تمكن العدو من إصلاحها بعد إصابتها في الضربة الجوية الأولى يوم السادس من أكتوبر، ومنها: مطار المليز، ومطار بير تمادة، كما قصفت طائراتنا أيضا بطاريات الصواريخ (الهوك) الإسرائيلية ورادارات ومراكز قيادة للعدو في القطاعين الشمالي والأوسط.

وقد تضمن الهجوم الإسرائيلي يوم الثامن من أكتوبر محاولة القيام بعملية إبرار جوي في المنطقة الشجرية جنوب البلاح بواسطة طائرتين هليكوبتر تسللتا على ارتفاع منخفض جدًّا، وما إن تم الإبلاغ عن ذلك من نقط المراقبة وكتائب الصواريخ المجاورة لمنطقة القناة حتى صدرت الأوامر إلى بعض كتائب الصواريخ المجاورة بالقضاء على تلك المحاولة بتحريك أطقم الرشاشات المضادة للطائرات الموجودة على الناقلات المدرعة إلى منطقة الإبرار، وقتال العدو بمجرد الوصول إليه، ومع بدء الاشتباك مع العدو فَرَّ أفراده عائدين إلى الضفة الشرقية من جديد.

ويذكر موشى ديان في مذكراته: أن الإمدادات الاحتياطية وصلت في يوم الثامن من أكتوبر، وكانت الخطة الموضوعة تقضي بأن يقوم تشكيل مدرعات (برن) بالهجوم على الجيش الثاني المصري في القطاع الشمالي شمال القنطرة، ثم يتجه جنوبًا في اتجاه البحيرات المرة، بينما يقف تشكيلا مدرعات (شارون) و(ألبرت) في الخلف في وضع الاستعداد والدعم.

وبعد نجاح (برن)، يقوم تشكيل شارون بالهجوم على الجيش الثالث في القطاع الجنوبي، بينما يقوم برن وألبرت باحتواء الأعداء، مع إمكانية عبور قوات إسرائيلية للقناة، على أن تكون المعركة على بعد ميل ونصف ميل من خط مياه القناة لتفادي الصواريخ المضادة للدبابات المنتشرة على شاطئ القناة.

ومع فشل الهجوم المضاد وانتهاء يوم الثامن من أكتوبر بتقهقر القوات الإسرائيلية للوراء لمسافات أكبر مما كانت عليه في بداية اليوم، وبعد اجتماع طارئ لمجلس الوزراء، توجه ديان إلى الجبهة الجنوبية واجتمع مع القادة هناك.

الصفحة السابقة الصفحة التالية