شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

حرب العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر كأنك تراها (6)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

يوم الاثنين الثاني عشر من رمضان - الثامن من أكتوبر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فبعد مضي نصف قرن هجري من الزمان على حرب العاشر من رمضان 1393 إلى رمضان 1443 هـ - السادس من أكتوبر، رَحَل -أو يكاد- مَن حضروا هذه الحرب أو عاصروها؛ فلزم علينا أن نذكِّر الأجيال الجديدة بهذه الحرب المجيدة، وما قدَّم المصريون فيها مِن تضحياتٍ، وما بذلوه من جدٍّ واجتهاد في قوة تحمُّل وصبر، وإخلاص وصدق حقَّقوا به مجدًا كبيرًا في ظروف أسوأ وأصعب بكثيرٍ مِن الظروف التي نعاني منها حاليًا؛ إنها روح العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر التي نفتقدها الآن، ونحن أحوج ما نكون إليها.

كان يوم الاثنين الثاني عشر من رمضان - الثامن من أكتوبر محط أنظار الجميع، إسرائيل ومِن ورائها أمريكا وأوروبا في انتظار هجوم إسرائيل المضاد الكاسح بعد اكتمال تعبئة قوات الاحتياط؛ الهجوم الذي سيدمر -بلا شك عند قيادة الجيش الإسرائيلي- القوات المصرية ويجبرها على التقهقر إلى غرب القناة من جديد، فتتبعها القوات الإسرائيلية إلى غرب القناة فتحتل مدينتي: الإسماعيلية والسويس؛ لتنتهي المغامرة المصرية بفرض إسرائيل شروطها على مصر والعرب.

أما مصر فكانت تعد العدة لصد الهجوم المضاد الكبير في إصرار على التمسك بما استعادته من أرض سيناء؛ دول كثيرة مِن العالم تحفظت على إعلان مواقفها من الحرب الدائرة انتظارًا لما ستسفر عنه المعارك المنتظرة يوم الثامن أكتوبر، بينما أوقف وزير الخارجية الأمريكي كيسنجر اجتماعًا عاجلًا لمجلس الأمن؛ انتظارًا لما سيسفر عنه يوم الثامن من أكتوبر.

كانت الساعات من منتصف ليلة السابع من أكتوبر إلى صباح الثامن من أكتوبر مسرحًا لكثيرٍ من الاستعدادات؛ ففي إطار الانحياز الأمريكي التام لإسرائيل سياسيًّا وعسكريًّا كانت المشاركة الأمريكية في التخطيط للقتال وإمداد إسرائيل بالمعلومات، وهو ما كشف عنه الجنرال الإسرائيلي إليعازر الذي ذكر في مذكراته أن مسئولًا عسكريًّا أمريكيًّا كبيرًا وَصَل إلى إسرائيل في الثالثة من فجر يوم 8 أكتوبر بطائرة عسكرية خاصة حاملًا معه مجموعة من التقارير العسكرية مدعومة بمجموعةٍ من الصور الجوية عن المعارك التي جَرَت، وعن مواقع القوات المصرية غرب وشرق القناة، والتي التقطها القمر الصناعي الأمريكي، وكانت نصيحته شل فاعلية المدرعات المصرية واصطياد الطيران المصري.

وفي نفس الوقت أكَّدت المعلومات الواردة للقيادات المصرية ومن مصادر عِدَّة: أن الهجوم المضاد المتوقع سيبدأ صباح الثامن من أكتوبر، وأكَّدت التقارير من المخابرات أن الهجوم المضاد سيكون في نطاق (تبة الطالية) أحد النقاط الحاكمة في مواجهة الفرقة الثانية التي يقودها الجنرال حسن أبو سعدة، فتم وضع خطة المواجهة لهذا الأمر.

منذ إعلان التعبئة توافدت قوات الاحتياط الإسرائيلية على سيناء إلى أن اكتمل تشكيل ثلاث فِرَق مدرعة؛ عتادًا وأفرادًا، واحدة كانت موجودة قبل بدء الحرب، واثنتان بعد إعلان التعبئة، وهما: الفرقة 143 مدرعة بقيادة الجنرال احتياط (إرييل شارون)، والفرقة 162 مدرعة بقيادة الجنرال (إبراهام أدان)، أما القوة الثالثة فهي الفرقة 252 مدرعة بقيادة الجنرال (إبراهام مندلر) وهي كانت في سيناء من قبل الحرب، وكان قائدها مندلر قد صدر قرارًا بتعيينه قائدًا لسلاح المدرعات؛ إلا أن القرار لم يدخل حيز التنفيذ لاندلاع الحرب، وكان في اكتمال تعبئة احتياطي المدرعات تعويضًا لكل الدبابات التي خسرتها القوات الإسرائيلية خلال معارك يومي السادس والسابع من أكتوبر.

وأصبحت القوات المصرية من جديد في مواجهة ألف دبابة إسرائيلية مدعمة بكل إمكانيات الحرب الحديثة، ومجهزة تمامًا لتحقيق هدف العدو الرئيسي، وهي ملمة تمامًا بأوضاع القوات المصرية من خلال صور القمر الصناعي الأمريكي.

وقد عرضت خطة الهجوم المضاد على مجلس الحرب الإسرائيلي، ووافقت عليها رئيسة الوزراء جولدا مائير التي سخَّرت لها كل الإمكانيات المطلوبة لتنفيذها، وكانت الخطة تقضي بالهجوم على الجيش الثاني المصري في الشمال مع تثبيت الجيش الثالث في الجنوب، وفور نجاح هذا الهجوم تقوم القوات الإسرائيلية باختراق القوات المصرية والوصول على المعابر والعبور إلى الضفة الغربية للقناة، على أن يتم ذلك بعيدًا عن مواقع الصواريخ المصرية على الضفة الغربية.

وملخص خطة الهجوم المضاد: توجيه ضربة قوية للجانب الأيسر للجيش الثاني المصري واختراق تجمعاته من الشمال، ثم الاستيلاء على أحد كباري الجيش المصري والعبور عليها إلى الغرب، واستكمال تدمير القوات المصرية هناك. والفرقة 162 هي التي ستهاجم وتبقى فرقة شارون كاحتياطي عام في منطقة (الطاسة) على المحور الـوسط، وبعد نجاح الهجوم يهاجم شارون بالفرقة 143 الجانب الأيسر للجيش الثالث بنفس أسلوب الفرقة 162 مع الجيش الثاني، بينما تقتصر مهمة الفرقة 252 بقيادة مندلر على تثبيت الجيش الثالث وتكبيده خسائر كبيرة إلى أن يصل شارون فيشتركان معًا في الهجوم الرئيسي.

تأكد للجيش الثاني الذي يتابع تحركات العدو مع أول ضوء نهار الثامن من أكتوبر أن اتجاه الهجوم المضاد سيكون شمال الإسماعيلية في مواجهة الفرقة الثانية مشاة التي يقودها الجنرال حسن أبو سعدة، وكان قرار قائد الجيش الثاني اللواء سعد مأمون هو تدمير القوات المهاجمة، وتسخير كل الإمكانات النيرانية لمعاونة الفرقة الثانية في صدِّ الهجوم.

الصفحة التالية