حرب العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر كأنك تراها (7)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
معركة (تبة الشجرة) كما رواها أبطالها (1)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فبعد مضي نصف قرن هجري من الزمان على حرب العاشر من رمضان 1393 إلى رمضان 1443 هـ - السادس من أكتوبر، رَحَل -أو يكاد- مَن حضروا هذه الحرب أو عاصروها؛ فلزم علينا أن نذكِّر الأجيال الجديدة بهذه الحرب المجيدة، وما قدَّم المصريون فيها مِن تضحياتٍ، وما بذلوه من جدٍّ واجتهاد في قوة تحمُّل وصبر، وإخلاص وصدق حقَّقوا به مجدًا كبيرًا في ظروف أسوأ وأصعب بكثيرٍ مِن الظروف التي نعاني منها حاليًا؛ إنها روح العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر التي نفتقدها الآن، ونحن أحوج ما نكون إليها.
تضمنت أيام حرب العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر بضع وستين معركة بين القوات المصرية والقوات الإسرائيلية، تخطت القوات المصرية النصر في خمسين معركة منها، بنسبة انتصارات نحو 80 % من المعارك التي وقعت.
وكل معركة من هذه المعارك وراءها قصص بطولية من المقاتلين المصريين وتضحيات؛ سواء على مستوى الأداء الجماعي أو على المستوى الفردي، وكلها جديرة بأن تروى للأجيال والأحفاد لنستلهم منها روح البذل والعطاء، والعمل الجاد، والأداء الجماعي العالي في أحلك الظروف وأصعب المواقف.
ومن هذه المعارك المهمة المؤثرة التي شهدتها حرب العاشر من رمضان: معركة (تبة الشجرة) التي وقعت أحداثها في يوم الاثنين الثاني عشر من رمضان - الثامن من أكتوبر؛ اليوم الذي كانت تنتظره قيادات الجيش الإسرائيلي بعد انتهاء استدعاء قوات الاحتياط كاملة للقيام بالهجوم المضاد الكاسح المنتظر، وإعادة القوات المصرية من حيث أتت إلى الضفة الغربية للقناة، ولم يكن هناك شك لدى القيادات في إسرائيل ولدى حلفائها في قدرة القوات الإسرائيلية بعد اكتمال عددها وعتادها على تحقيق النصر الكاسح؛ مهما بلغت مقاومة المصريين وصمودهم أمام الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر.
جاءت معركة تبة الشجرة مباشرة في أعقاب الفشل المروع للهجوم الإسرائيلي الرئيسي المضاد على المحور الأوسط، والذي منيت القوات الإسرائيلية فيه بخسائر فادحة في المدرعات غير متوقعة، جعل هذا اليوم يُطلَق عليه في مذكرات العسكريين والسياسيين وفي الأدبيات الإسرائيلية (يوم الاثنين الحزين)، والذي أتبعت فيه القوات المصرية هذا الهجوم الإسرائيلي المضاد الفاشل بهجوم مضاد مفاجئ على تبة الشجرة حيث مركز قيادة العدو المنيع في المحور الأوسط؛ فاقتحمته الكتيبة 12 مشاة، واستولت عليه في فترة زمنية وجيزة لا تتناسب إطلاقًا مع قوة تحصين هذا الموقع وأهميته العسكرية، والتي تؤهله للصمود في أصعب الظروف أيامًا كثيرة.
وقد تحوَّل هذا الموقع بعد نهاية الحرب إلى مزار تاريخي سياحي ثقافي تتوجَّه إليه الرحلات قادمة من الإسماعيلية لمشاهدة أثرًا تاريخيًّا تذكاريًّا شاهدًا على مرور السنين على بطولات قواتنا المسلحة التي قامت بها في حرب العاشر من رمضان، والاستماع إلى شرح مفصل لوقائع تلك المعركة كما رواها أبطالها الذين حضروها، ومطالعة ما احتوته غرفة القيادة وغرفة عمليات مركز القيادة الإسرائيلي من خرائط ووثائق تم العثور عليها فيه، وقد ألحق بالمكان أيضًا معرض يضم كل متروكات العدو من العتاد والأسلحة والألغام التي استولى عليها المصريون من قوات العدو خلال أحداث هذه المعركة.
تقع تبة الشجرة داخل سيناء على بعد 10 كيلومتر من شمال الإسماعيلية، وعلى بعد 750 مترًا شمال طريق المحور الأوسط بسيناء، وترتفع عن سطح البحر بنحو 74 مترًا؛ مما يتح لها بسهولة وبيسر كشف المنطقة الواقعة أمامها ويمكنها من ملاحظة كافة التحركات حتى الضفة الغربية للقناة، ابتداءً من (البلاح) شمالًا وحتى (الدفرسوار) جنوبًا.
ولموقع تبة الشجرة نقطتان حصينتان متماثلتان في المساحة والتخطيط، وعدد الحجرات والقاعات الداخلية، والمداخل والمخارج، وفتحات الهروب ومتصلتان ببعضهما عن طريق أنفاق محصنة يفصِّل بينهما حوالي 250 متر مليئة بالألغام.
وتضم النقطة الحصينة الأولى مقر القيادة وغرفة العمليات المزودة بالأجهزة المخصصة للاتصال بالوحدات العسكرية الأخرى والقيادات الفرعية، وقيادة الجبهة الجنوبية والقيادة العامة، وبها أجهزة ومعدات إلكترونية، بينما تضم النقطة الحصينة الثانية المخصصة للعمل الإداري مكتبًا للقائد، وأماكن مبيت للأفراد، وصالة للطعام، ووحدة طبية، ونقطة وقود، ومغسلة.
وتتكون كل نقطة من ملجأ مستطيل الشكل، مبني من كتل خراسانية سابقة التجهيز، وقد ملئت الفواصل بينها بمادة مطاطية لامتصاص أي ضغوط تنجم عن أي قصف خارجي.
والمبنى أسفل سطح الأرض، وله فتحتان مائلتان إلى أسفل في الطرفين من الجانب الشرقي، إحداهما للدخول إلى شمال المبنى، والأخرى للخروج إلى الجنوب، وفي منتصف المسافة بين الممرين المتصلين بفتحتي الدخول والخروج، يوجد تجويف يؤدي إلى فتحة للهروب عن طريق سلم معدني يؤدي إلى سطح النقطة الحصينة في حالة حدوث محاولة اقتحام للنقطة من بابيها الرئيسيين.
كما تم تحصين المبنى الخرساني من أعلى بقضبان من السكك الحديدية يعلوها سلال الحجر الجيري الذي تم اختياره بدلًا من الصخور الصلبة لتفادي تطاير الشظايا التي تنتج عن عمليات القصف حيث تتفتت الأجزاء المعرضة للقصف من الحجر الجيري في مكانها.
وقد أخذ الموقع اسمه من اسم شجرة (الجزورينا) التي تعلو هذا الموقع منذ القِدَم، واشتهرت التبة باسمها بين بدو سيناء، ومِن ثَمَّ سُجِّلت بهذا الاسم في الخرائط والسجلات العسكرية.
وقد سقط الموقع أثناء حرب العاشر من رمضان في يوم الاثنين الثاني عشر من رمضان - الثامن من أكتوبر حيث كلفت إحدى كتائب المشاة بالاستيلاء على موقع تبة الشجرة حيث استطاعت الكتيبة حسم المعركة خلال نصف ساعة تقريبًا، والاستيلاء على أسلحة ومعدات الموقع، وهي في حالة صالحة للاستخدام، وتم أسر 50 % من قوة سرية المشاة المدعمة للجانب الإسرائيلي التي كان قوامها 150 إسرائيليًّا.
