حرب العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر كأنك تراها (8)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
ولن أنسى أبدًا الروح العالية لرجال مصر المقاتلين وهم ينفخون القوارب استعدادًا للعبور، والكل يهتف بأعلى الصوت: الله أكبر، وجوههم قوة وعزيمة وإصرار، بلا خوف مع أن أمامنا (دشمة نمرة 6 لخط بارليف المحصَّن)، ولكن قواتنا في الخلف والقناصة المتمركزين على المصاطب العالية غرب القناة كانت تتعامل مع هذه الدشمة، فلم تتمكن من التعامل معنا ونحن نَعْبُر، ويقف وسط الجنود ويتابع قائد الكتيبة ورئيس العمليات وقادة السرايا والفصائل، وكأننا في أحد التدريبات بالبعالوة أو جزيرة البلاح.
ولن أنسى أبدًا صيحات سيادة المقدم رجب لي وأنا أمر بالمركبة بجانبه: (يا شمس انزل جوه واقفل عليك)، حسيت إنه أبويا خايف عليَّ مش مجرد قائد خايف على قواته، فابتسمت له وقلت له: معلش يا فندم أرجوك، فابتسم وحياني بيده.
كما لا أنسى تحية صديقي العزيز الحبيب النقيب (أحمد علي النحاس) قائد ثان للسرية الثانية، وكانت آخر تحية بيني وبينه، فلم أره منذ هذه اللحظة وحتى اليوم حيث استشهد يوم 7 أكتوبر.
كما لا أنسى تحية صديقي العزيز الحبيب ملازم أول (سعيد عبد الوهاب إمام) وعبارته التي ما زالت ترن في أذني ودعابته الجميلة المعهودة، وضحكته الملائكية التي يعرفها الجميع: (اوعَ تموت يا شمس)، واستشهد الملازم أول سعيد عبد الوهاب يوم 13 أكتوبر.
لن أنسى منظر القناة ونحن نعبر صفحة المياه الساكنة تمامًا بلا موجة كأنها ترحِّب بنا، سوى الموجات الخفيفة لمركبتين، كم كنت أتمنى أن يكون معي كاميرا وأنا أعلى المركبة فأصور هذا المنظر البديع، ومنظر القوارب وسواعد الرجال تضرب بالمجاديف في المياه خلفنا؛ كل يتسارع ليصل أولًا، وفي أقل من عشر دقائق وصلت بالمركبتين إلى الشاطئ الشرقي للقناة، ولكن قابلتني صعوبة وجود بعض الصخور في المياه قرب الشاطئ تمنع المركبتين من الرسو على الشاطئ فوجدت أن المسافة بسيطة، ورأيت أرض القناة تحت الماء فنزلت في الماء إلى وسط جسمي تقريبا، وأمرت بالنزول للجميع وحمل المدافع، ولم ننتظر حتى ترسو تمامًا حرصًا منا على وقت الوصول إلى تبة السبعات لتحقيق المهمة المباشرة الكتيبة، وبلا شعور وبلا تفكير مسبق رقدنا جميعًا على رصيف القناة نُقَبِّل أرض سيناء.
وكانت أكبر الصعوبات صعود الساتر الترابي، فلم ننتظر السلالم الخشبية، وفككنا المدافع إلى أجزاء وصعدنا بها، وبأقصى سرعة وحسب التدريب، وصلنا إلى تبة السبعات خلال أقل من 20 دقيقة، وكنا أول قوات تلحق بسرية المفرزة، ونصبنا مدافعنا للتعامل مع أي مركبات أو حاملات جنود، بينما سرية المفرزة التي سبقتنا بقيادة البطل النقيب طلبة رضوان كانت تتعامل مع دبابات الاحتياطي القريبة الإسرائيلية وتدمرها بالصواريخ المحمولة المضادة للدبابات (الفهد)، وبهذا نجحنا في عدم اقتراب الاحتياطي القريب من الوصول إلى القناة؛ مما مَكَّن قواتنا التي عبرت خلفنا من العبور بأمان).
ويذكر الملازم محمد شمس: أن السرية ظلت في تبة السبعات يومي: 6 و7 أكتوبر، ثم كان التحرك مساء 8 أكتوبر نحو المهمة التالية، وهي اقتحام تبة الشجرة حيث مركز قيادة العدو المتقدم في المنطقة، وهو موقع حصين لا تستطيع المدافع أو الطيران تدميره؛ بسبب صخوره الطبيعية.
ويذكر الملازم أول محمد شمس عن مهاجمة تبة الشجرة: أن أفراد الكتيبة كانوا يتقدمون بخطوات كلها شهامة وإصرار على اقتحام المركز الحصين؛ سرية اليمين السرية الأولى تؤمن يمين التبة، وسرية اليسار السرية الثالثة تؤمن يسار التبة، وسرية المنتصف السرية الثانية تقتحم من أعلى التبة، بينما سرية الرشاشات التي يقودها الملازم أول شمس بمدافعها تضرب أي مركبات حاملة للجند، فأصابت كثيرًا منها، بينما سرية الهاون تضرب بدانتها من خلف قواتنا، وتم اقتحام الحصن ساعة الفجر، وفرَّ الإسرائيليون تحت وابل الرصاص من كل مكان، ودمرت معظم العربات التي كانت تنقلهم.
وبعد الاستيلاء على التبة بدأت عمليات حفر المواقع على التبة؛ استعدادًا لمحاولات العدو لاستعادة التبة، وكانت أشد هذه المحاولات يوم 9 أكتوبر؛ حيث هاجمت كل أنواع الطائرات الإسرائيلي الموقع من فانتوم، وسكاي هوك، والميراج، وعندما يهدأ الطيران تتسلمنا المدفعية الثقيلة بأنواعها وأصواتها المختلفة؛ كل هذا وأفراد المشاة رابضون في حفرهم التي حفروها متمسكون بالأرض طيلة يومين من الضرب المتواصل.
يضيف الملازم أول شمس: أنه بعد تحقيق المهمة المباشرة، وهي: السيطرة على تبة السبعات ومنع الاحتياطي الإسرائيلي القريب من التقدم نحو القناة، ثم المهمة القتالية الثانية، وهي: اقتحام تبة الشجرة، بدأنا في تطوير الهجوم يومي: 11 أو 12 أكتوبر إلى (كثيب عيفان)، وهي منطقة رمال ناعمة تمركزنا فيها، وواجهت كتيبتنا فيها ضربًا كثيفًا من المدفعيات بكل أنواعها، ولكن كان الأمر المقلق هو الموجات الكثيفة المتلاحقة طوال النهار تقريبًا من الطيران؛ خاصة وأن قوات الكتيبة بعدت عن القناة، وبالتالي بعدت عن مظلة تغطية حائط صواريخ الدفاع الجوي الموجود غرب القناة، والذي كان يمنع بكفاءة تقدم الطيران الإسرائيلي؛ هذا بالإضافة إلى وجود أكبر معارك مواجهة للدبابات وسلاح المدرعات.
وكان لزامًا على القادة القيام بتعويض الجنود في مواجهة هذه الظروف الحرجة ببث ورفع روحهم المعنوية؛ خاصة وقد حققنا بالفعل أهم هدف، وهو: استعادة قناة السويس الذي كان يزيد من عزيمتنا بشكل كبير.
وللحديث بقية إن شاء الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
للاستزادة راجع: (أبطال تبة الشجرة) إعداد أحمد علي عطية الله - ط. الهيئة المصرية العامة للكتاب - ط. 2018.
