حرب العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر كأنك تراها (8)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
معركة (تبة الشجرة) كما رواها أبطالها (2)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فبعد مضي نصف قرن هجري من الزمان على حرب العاشر من رمضان 1393 إلى رمضان 1443 هـ - السادس من أكتوبر، رَحَل -أو يكاد- مَن حضروا هذه الحرب أو عاصروها؛ فلزم علينا أن نذكِّر الأجيال الجديدة بهذه الحرب المجيدة، وما قدَّم المصريون فيها مِن تضحياتٍ، وما بذلوه من جدٍّ واجتهاد في قوة تحمُّل وصبر، وإخلاص وصدق حقَّقوا به مجدًا كبيرًا في ظروف أسوأ وأصعب بكثيرٍ مِن الظروف التي نعاني منها حاليًا؛ إنها روح العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر التي نفتقدها الآن، ونحن أحوج ما نكون إليها.
جاء صباح يوم السبت العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر عام 1973، والنقيب طلبة رضوان متأهب مع جنوده لعبور القناة كمفرزة أمامية متقدمة عند صدور الأمر بذلك، وتنفيذ مهمة الاستيلاء على (تبة السبعات) والتمركز فيها للتعامل مع أي دبابة أو مدرعة من الاحتياط المتحرك للعدو، تتجه نحو الضفة الشرقية للقناة خلال عبور القوات المصرية للقناة في قواربهم المطاطية.
كانت المهمة صعبة للغاية ونتائجها يصعب التنبؤ والجزم بها، لكنه لا مجال مهما كان الثمن للفشل فيها؛ كانت هذه هي المرة الأولى في تاريخ حروبنا مع اليهود، أن تعتمد القيادات على فرد المشاة في مواجهة المدرعات الإسرائيلية، وسلاح المدرعات الإسرائيلي هو أفضل ما يملكه الجيش الإسرائيلي ويعتمد عليه دائمًا في حسم المواقف، ولديه أحدث طراز من الدبابات الحديثة الأمريكية وقتها.
وقد تدربت قوات المشاة المصرية جيدًا على مواجهة الدبابات واقتناصها، ولكن بالطبع أجواء القتال تختلف عن التدريب؛ إضافة إلى أن قاذف الصواريخ (آر بي جي) وإن أحرز نتائج طيبة في الرماية على أهداف صناعية؛ إلا أنه لم يجرب في الحروب في مواجهة المدرعات مِن قَبْل؛ حتى مِن قِبَل أولئك الذين صنعوه.
ويزيد الأمر صعوبة: قيام أفراد المفرزة المتقدمة بمفردهم مواجهة المدرعات الإسرائيلية لمدة ليست بالقصيرة لحين وصول باقي القوات، مع احتمالية عدم كفاية الذخيرة رغم كمياتها الكبيرة، والتي من أجلها خُصص أفراد لحمل الزائد منها في العبور، وكان الخبراء الروس يتوقعون أن تكون خسائر العبور نحو 70 % من القوات المصرية المهاجمة.
ويذكر النقيب طلبة -فيما ذكره عن تفاصيل هذا اليوم-: أنه رغم دخول الصباح، فلم تصل مواتير القوارب المطاطية، ومع عدم وجود فرصة أثناء النهار لدخول أي شيء للموقع أو الخروج منه لدواعي السرية التامة، تقرر أن يكون العبور باستخدام المجاديف.
وفي الساعة 11 صباحًا تم إبلاغ النقيب طلبة بأن ساعة الصفر للمفرزة التي سيقودها هي الساعة 2 ظهرًا، بينما سيكون تحرك باقي الكتيبة الساعة 2 ظهرًا و20 دقيقة، فقام بإخبار قادة الفصائل بالتوقيت المحدد للاستعداد حيث تحرك كلُّ فردٍ إلى موقعه.
وقبل الثانية بدقائق تم جمع الأفراد وإعطاء كلمة معنوية حماسية وتركيب سناكي البنادق، وإنزال القوارب في مياه القناة، وفي ساعة الصفر انطلقت القوارب تشق طريقها إلى الضفة الشرقية؛ الكل يجدف حتى مَن ليس معه مجداف كان يجدف بيديه أو بدبشك البندقية.
ما إن وصلت القوارب للشاطئ بدأ صعود الساتر الترابي، وهو من أصعب ما يكون؛ خاصة مع ثقل شدة أسلحة القتال والتي كان وزنها وهي كاملة 25 كيلو جرام، وقد تم استغلال مجارٍ للسيول حفرتها الأمطار والسيول في الساتر الترابي من قبل، تنكسر عندها حِدَّة ارتفاع الساتر، وكان قد تم رصد هذه المجاري من قبل أثناء استطلاع نقاط العبور، وتم الاتفاق على استخدامها، وصعود الساتر الترابي من خلالها سريعًا.
وبمجرد صعود الساتر تم تثبيت عَلَم مصر عليه، ومع وصول جميع الجنود أعلى الساتر، بدأ تقدم الجميع في تشكيل واحد، وقد اكتشف أحد الجنود أثناء التقدم حزمة أسلاك تليفونية تمثِّل الوصلة بين النقط القوية والاحتياطي فقام بقطعها، وبعد الوصول إلى تبة السبعات تم رفع عَلَم مصر عليها أيضًا.
تم تشكيل السرية في وضع دفاعي شرق القناة على نسقين: فصيلتان في النسق الأول، وفصيلة في النسق الثاني، ودورية تأمين خلف السرية للإبلاغ عن أي دبابات تظهر من الخلف.
وفي يوم الأحد "الحادي عشر من رمضان - التاسع من أكتوبر" تم رصد دبابة إسرائيلية على الطريق العرضي بمحاذاة قناة السويس على بعد 800 متر خلف السرية، فتم تعطيل الدبابة ومحاصرتها حتى استسلم قائدها، وتم رصد دبابة أخرى للعدو تسللت حتى وصلت إلى حدود فصيلة النسق الثاني للسرية، فتم تعطيلها واشتعل محركها وتم محاصرتها حتى استسلم قائدها.
وفي مساء يوم الاثنين الثاني عشر من رمضان - الثامن من أكتوبر، كانت الأوامر بتجهيز السرية للدفع بها للاشتباك عند مهاجمة تبة الشجرة، فكان التنفيذ في الحال وتجهيز السرية.
وفي يوم 13 أكتوبر وأثناء مراقبة طائرات العدو أثناء قصفها لمواقع الكتيبة تم ملاحظة تكرر قصف الطائرات لمنطقة يمين الكتيبة معلوم عنها أنها خالية من أي قوات، اسمها على الخريطة: (القلب المهجور)، وباستطلاع المنطقة لمعرفة سبب قصفها تبيَّن أن المكان عبارة عن ورشة إصلاح تركها العدو سليمة، فتم إبلاغ قيادة الفرقة عنها، فتم الاستيلاء عليها، وتفريغ ما فيها من معدات، وقطع غيار وأسلحة، ومهمات، وتعيينات.
ويذكر النقيب طلبة: أنه في يوم 16 أكتوبر تعرضت السرية لقصف جوي مركَّز عليها، نتج عنه مقتل 9 جنود وإصابة 16 آخرين؛ مما تسبب في استهلاك جميع مواد الإسعاف الموجودة بالسرية؛ مما اضطره لطلب إمداد الكتيبة بمواد طبية لإعادة المستهلك مِن مواد الإسعاف، وذكر أن الذي زاد من استهلاك مواد الإسعاف رفض بعض الجنود المصابين مغادرة الموقع للذهاب إلى المستشفى، فكانوا يحتاجون إلى الغيار على الجروح يوميًّا؛ مما زاد مِن استهلاك المواد الطبية بالكتيبة أكثر مِن الكميات المعتادة.
