حرب العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر كأنك تراها (9)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
(يوم الثالث عشر من رمضان اليوم الرابع من الحرب)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فبعد مضي نصف قرن هجري من الزمان على حرب العاشر من رمضان 1393 إلى رمضان 1443 هـ - السادس من أكتوبر، رَحَل -أو يكاد- مَن حضروا هذه الحرب أو عاصروها؛ فلزم علينا أن نذكِّر الأجيال الجديدة بهذه الحرب المجيدة، وما قدَّم المصريون فيها مِن تضحياتٍ، وما بذلوه من جدٍّ واجتهاد في قوة تحمُّل وصبر، وإخلاص وصدق حقَّقوا به مجدًا كبيرًا في ظروف أسوأ وأصعب بكثيرٍ مِن الظروف التي نعاني منها حاليًا؛ إنها روح العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر التي نفتقدها الآن، ونحن أحوج ما نكون إليها.
يعد يوم الثلاثاء الثالث عشر من رمضان - التاسع من أكتوبر، وهو اليوم الرابع من الحرب، امتدادًا ليوم الاثنين الذي قبله؛ إذ واصلت القوات الإسرائيلية فيه مِن جديد هجماتها المضادة، ولكن في شراسة وقوة، وبأعداد كبيرة في محاولة قوية لاستعادة المواقع المهمة التي افتقدتها في اليومين الأوليين من الحرب، ولمحاولة منع تقدم القوات المصرية وإعادتها من حيث أتت إلى الضفة الغربية لقناة السويس، ومحاولة إقامة معبر على القناة للقوات الإسرائيلية تتسلل منه إلى الضفة الغربية للقناة والتسلل إلى أحد مدن القناة الإسماعيلية أو السويس واحتلاها، وبالتالي تغيير دفة الحرب وقلب موازينها لصالحها، ولكن كل الهجمات الإسرائيلية المضادة في هذا اليوم فشلت كمثيلتها السابقة فشلًا ذريعًا.
أما القوات المصرية: فقد واصلت في هذا اليوم التصدي لهجمات العدو المضادة بنجاح، وكبدته خسائر فادحة؛ سواء في الأفراد أو المدرعات والطائرات، وتمسكت في قوة وإصرار بكل ما حررته من الأرض وكل ما استولت عليه من المواقع، كما واصلت تقدمها في عمق سيناء لتحقيق الهدف الإستراتيجي للحرب، وهو: التقدم مسافة 10 - 12 كيلو متر داخل سيناء، وعلى طول الجبهة كلها؛ أي: لأكثر من 160 كيلومتر، وهي المسافة التي يمكن لحائط صواريخ الدفاع الجوي المصري أن يقوم بتغطية القوات البرية مع سلاح الطيران فيها، وعليه يتم بعدها إعادة تعبئة القوات المصرية وتوجيهها طبقًا لأعمال القتال وأحداث الحرب.
وفي ليلة 8 /9 أكتوبر قامت الأرتال الإدارية المصرية بحمل ونقل التعيينات والمياه والأمداد، وبخاصة ذخيرة الدبابات، وذخيرة الأسلحة المضادة للدبابات والمدفعية بتعويض الذخيرة التي استهلكت القوات المصرية منها كميات كبيرة، أما ذخيرة الأسلحة العادية من البنادق والرشاشات فقد كان استهلاكها في المعركة محدودًا؛ إذ لم تقابل القوات المصرية العدو مترجلًا إلا نادرًا، وعندما تدمر عرباته المدرعة أو دباباته تدفقت حوالي ألف عربة لوري للجيش الثاني عبر القناة محملة بأكداس التشوينات ليتم تعويض ما استهلك، وقد عادت العربات الإدارية قبل الفجر محملة بالجرحى من قواتنا، وكذلك الجرحى والأسرى من قوات العدو.
فشل الهجوم الإسرائيلي المضاد الجديد:
رغم مذبحة الدبابات الرهيبة والفشل المروع الذي وقع يوم الاثنين الثامن من أكتوبر للفرقة 162 مدرعة بقيادة الجنرال (إبراهام أدان)، وأسر العقيد (عساف ياجوري)؛ فقد أراد الجنرال (أريل شارون) قائد الفرقة 143 مدرعة أن يظهر في هذا اليوم التاسع من أكتوبر في صورة البطل المنقذ للقوات الإسرائيلية، وذلك بقيام فرقته المدرعة بشن هجمات مضادة على القوات المصرية، مركزًا على (الدفرسوار) حيث إن طبيعة الأرض فيها مرتفعة في الشرق وآخذة في الانخفاض تجاه الغرب؛ مما يساعد دباباته المهاجمة على الاندفاع بسرعة مع ميل الأرض تجاه الغرب، وكانت فرقة شارون تتكون من ثلاثة ألوية مدرعة بقيادة: (أمنون ريشيف)، و(توفيا رفيف)، و(حاييم أريز).
هاجم اللواء الذي يقوده (حاييم أريز) تبة الطاليا التي تمثِّل موقعًا إستراتيجيًّا استولى عليه لواء مشاة مصري يوم 8 أكتوبر، ولكن هجوم حاييم فشل، بينما قام شارون بأول هجوم بقواته مع أول ضوء للنهار في الساعة السادسة والنصف صباحًا، وفشل هذا الهجوم الأول، ثم عاود شارون الهجوم وتوالت هجماته في الساعة التاسعة والنصف، ثم الواحدة والنصف ظهرًا، ثم الرابعة والنصف، ثم السادسة والنصف، وهكذا حتى كان الهجوم الأخير في ليل اليوم في الثانية بعد منتصف الليل.
وكان بعض هذه الهجمات على محور واحد، وبعضها على محورين أو ثلاثة ، وفي كل هذه الهجمات لم تنجح قوات شارون في اختراق القوات المصرية؛ إلا في اتجاه واحد بقوة كتيبة مدرعة تقدمت حوالي 2 كيلو متر داخل المواقع المصرية التي سرعان ما أطبق عليها الحصار، وتم تدمير عدد من دباباتها بالصواريخ المضادة للدبابات وبقذائف الـ(آر بي جي)؛ مما أرغم باقي الدبابات على الفرار.
وكان واضحًا للعيان وبما لا يدع مجالًا للشك مدى تفوق المقاتل المصري، وعلو كفاءته، وقوة تمسكه بأرضه وهو يخوض معارك ضارية شرسة؛ هي أخطر وأكبر معارك الصحراء التي دارت على أرض سيناء حتى الآن، والتي فقد فيها العدو بقيادة شارون جزءًا كبيرًا من مدرعاته.
وقد تعرَّضت تبة الطاليا إلى تسع هجمات إسرائيلية مضادة لاستعادتها، كان أخرها: يوم 20 أكتوبر، بتشكيل من المدرعات والمشاة الميكانيكي، والقوات الخاصة بقيادة الجنرال (ليوئيل جوروديش) قائد اللواء 274، وقد فشلت كل هذه الهجمات كلها في زحزحة القوات المصرية من مواقعها، وإن تسببت في مقتل العميد شفيق متري قائد اللواء المشاة المصري الذي حرر التبة، وتولى القيادة من بعده اللواء العميد محمد على الكسار حتى نهاية أعمال القتال.
معركة بحرية قبالة بورسعيد:
في البحر الأبيض المتوسط قبالة بورسعيد قام تشكيل بحري إسرائيلي بالتعاون مع طائرات الهليكوبتر بالدخول في حدود القوات المصرية البحرية، فتصدت له واشتبكت معه وحدات من البحرية المصرية في معركة بحرية كبيرة أسفرت عن إغراق خمس زوارق للعدو، وإصابة ثلاثة زوارق مصرية.
فشل جهود الطيران الإسرائيلي:
