حرب العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر كأنك تراها (9)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
ركز الطيران الإسرائيلي هجماته الجوية وبلا توقف على تشكيلات القوات المصرية، وعلى رؤوس الجسور شرق القناة، وقد تمكنت طائرات العدو المغيرة من إصابة عدد من الجسور والمعابر فوق القناة، ولكن كان الثمن غاليًا وهو سقوط 16 طائرة إسرائيلية، وأسر أربعة من الطيارين الإسرائيليين هبطوا على الضفة الشرقية للقناة بعد تدمير طائراتهم، بينما تمكَّن المهندسون المصريون من إصلاح الجسور في وقت قصير.
وقد حاول الطيران الإسرائيلي في هذا اليوم قصف بعض المطارات المصرية الأمامية، منها: القطامية والمنصورة مرة أخرى، لكنه فشل في تحقيق أهدافه.
وقد قامت القوات الإسرائيلية أثناء الحرب بعمليات إعاقة إلكترونية وتشويش في مواجهة دفاعنا الجوي وحائط الصواريخ، ولكنها كانت محدودة الشدة، وتتم غالبًا من الطائرات المهاجمة، أو من تلك الحاملة لأجهزة الإعاقة الإلكترونية، ومع إبلاغ الوحدات عن وجود أهداف كاذبة ومع وجود اليقظة المطلوبة تم اكتشاف حيل العدو منذ البداية، لكن في يوم 9 أكتوبر زادت شدة الإعاقة الإلكترونية على كتائب الصواريخ على طول المواجهة مع تعدد اتجاهات مصادرها؛ مما جعل بعض هذه الكتائب غير قادرة على اكتشاف الطائرات المعادية، ووصلت المعلومات عن طريق وسائل استطلاع الجيوش الميدانية تؤكِّد قيام العدو بفتح محطات رادار جديدة في بالوظة والطاسة، وأم سمارا والجدي، واتضح من المراقبة: أن هذه المحطات الرادارية ما هي إلا محطات إعاقة جديدة، فكان العمل على إسكات عمل هذه المحطات بأساليب مختلفة فنية وتكتيكية، أو الاشتباك معها وتدميرها للتغلب على تلك الإعاقة الإلكترونية، وكان النجاح حليف قواتنا في ذلك؛ مما ألجأ العدو إلى اللجوء إلى حيلة جديدة بإلقاء العديد من الرقائق المعدنية أثناء هجوم الطائرات لتتقدم الطائرات الإسرائيلية تحت سترها من جهة، وليتم استنزاف صواريخ الدفاع الجوي المصري في ضرب تلك الأهداف غير الحقيقية من الرقائق المعدنية من جهة أخرى، ولكن قواتنا كانت من الذكاء بحيث لم تقع فريسة لهذا الفخ، وذلك من خلال تتبع حركة ومسار الأجسام من الرقائق المعدنية والطائرات في الهواء رأسيًّا وأفقيًّا قبل إطلاق الصواريخ عليها.
ومع كثرة قيام العدو بعمليات الاستطلاع الجوي يومي: 8 و9 أكتوبر، والتصوير الجوي للتعرف على أوضاع كتائب الصواريخ، كانت تتم عمليات مناورة إلى جانب التأمين الحصين؛ لتلافي الضربات الجوية للعدو.
ومع فداحة خسائر الطيران الإسرائيلي وتزايدها مع الوقت، لم يجد العدو من سبيل سوى عدم دخول مناطق حائط الصواريخ؛ مما أدَّى إلى ترك قواته البرية ومدرعاته بدون دعمٍ كافٍ لتقاتل في معارك تقوم على الارتداد التعطيلي مع بعض الهجمات المضادة المحدودة.
سقوط نقط جديدة للعدو:
- في منطقة الدفرسوار على الطرف الشمالي للبحيرات المرة دارت اشتباكات حول موقع إسرائيلي حصين بها، وهو عبارة عن نقطتين حصينتين بينهما مسافة حوالي 500 متر، ومنطقة الدفرسوار تلك هي المنطقة التي تم فيها إنشاء الجسر الرئيسي لثغرة العدو بعد ذلك بأيام، وقد هاجمت قواتنا المنطقة أول مرة يوم 8 أكتوبر ولم ينجح الهجوم، وتكرر هجوم قواتنا ليلة 8 / 9 أكتوبر وخلال يوم 9 أكتوبر بالكامل، وقد حاولت المدرعات الإسرائيلية في هجماتها المضادة المتتالية في هذا اليوم فك حصار هذا الموقع أو نجدته أو حتى إخلاء من فيه، ولكنها أخفقت في تحقيق ذلك، وسقطت نقطة الدفرسوار القوية في أيدي القوات المصرية بما فيها من أسلحة ومعدات، ووثائق، وقتلى وجرحى، وأفراد للعدو أحياء صاروا أسرى حرب.
- وفي هذا اليوم سقط أيضًا موقع آخر من مواقع خط بارليف المحاصرة، وهو موقع نقطة الشط القوية، وهذا الموقع كان لا بد من إسقاطه لإيقاف نيرانه المؤثرة على قواتنا، وهو يتكون من ثلاثة طوابق: الطابق الأسفل مجهز بكل وسائل الإمداد والإعاشة والقتال، وبه ماكينة لتوليد الكهرباء، وأجهزة للتهوية، ويضم الطابق الأوسط أماكن إقامة الأفراد وإعاشتهم، وبه صالة عرض سينمائي وثلاجة، والطابق العلوي مخصص للمراقبة والقتال، ويضم الموقع 120 فردًا من أفراج العدو مزودين بالهاونات والمدافع المتوسطة، والعربات نصف مجنزرة، والدبابات السنتورين، وعربات نقل.
ومع كل هذا التحصين سقط الموقع في أقل من ساعة قتال، وقد تولى إسقاطه قوة من اللواء 5 مشاة، قادها الشهيد محمد أحمد زرد. وعند اقتحام الموقع أطلق أفراد العدو نيران مدفع رشاش من فتحة المزغل المواجهة لقواتنا المقتحمة، وانطلق واحدًا من مقاتلينا الأربعة الذين يقتحمون الموقع ليلقي بجسده فوق فوهة المزغل كي يحول بين رصاص المدفع الرشاش وباقي زملائه الذين قذفوا قنابلهم اليدوية الي داخل الموقع.
- وفي هذا اليوم أيضًا قام العقيد إبراهيم عبد التواب قائد الكتيبة 603 مشاة ورجاله بالاستيلاء على نقطة (كبريت)، وقد هاجم العدو بعدها كبريت وفشل في استعادتها، فقام بحصارها حصارًا شديدًا استمر لمدة 134 يومًا، ولم تسقط كبريت، وقد صدر بيان عسكري مصري في نهاية يوم التاسع من أكتوبر جاء فيه أن خسائر العدو في هذا اليوم بلغت تدمير102 دبابة، وإسقاط 16 طائرة.
ومع إخفاق هجمات العدو في هذا اليوم، قام العدو في نهاية اليوم بإعادة تجميع المدرعات لتعويض خسائرها، ومع إحساس العدو بأن القوات المصرية تطور من هجومها بدأ العدو هندسيًّا في تجهيز خط دفاع جديد عند المضايق شرق القناة بمسافة 30 كيلو متر.
الارتباك ما زال يسود إسرائيل:
في إسرائيل في صباح التاسع من أكتوبر قابل ديان جولدا مائير، وعرض عليها الموقف، ووافقت جولدا على القيام بعدة تغييرات في قيادات العمليات في سيناء، فتم تعيين الجنرال (بارليف) -وهو صاحب خط بارليف المنهار- قائدًا للجبهة الجنوبية، مع تعيين جنرال (إبراهام مندلر) قائدًا لعمليات القطاع الجنوبي، والجنرال (شارون) قائدًا للقطاع الأوسط، والجنرال (أدن) قائدًا للقطاع الشمالي، وكان الغرض من تلك التغييرات هو حشد أكبر عدد ممكن من قادة الجيش الإسرائيلي المشهود لهم بالكفاءة العسكرية والتطرف إلى أقصى درجة.
