شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

حرب العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر كأنك تراها (9)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

وقد أثار ديان مع جولدا مائير موضوع طلب السلاح من أمريكا، وعرض عليها السفر إلى أمريكا لإجراء مباحثات سرية مع الرئيس الأمريكي نيكسون لشرح أبعاد الموقف حتى تتفهم أمريكا الوضع العسكري على حقيقته، وتقوم بإعطاء إسرائيل المزيد من الدعم والتأييد، مؤكدًا أنه ليس هناك مَن يستطيع أن يفعل ذلك إلا جولدا.

وقد عقد وزير الدفاع الإسرائيلي موشى ديان مؤتمرًا صحفيًّا في مساء يوم التاسع من أكتوبر، لكن رأت جولدا مائير رئيسة الوزراء الإسرائيلية وقتها ضرورة حظر نشره أو إذاعته؛ لئلا يؤثر حديثه على الروح المعنوية للجيش الإسرائيلي، وعلى الشعب الإسرائيلي، وقد ذكر ديان في مذكراته التي نشرها بعد ذلك ما قاله في هذا المؤتمر الصحفي، وملخصه:

- إن الموقف على الجبهة المصرية صعب، وإن القوات الإسرائيلية لا تتوافر لديها الإمكانيات لرد المصريين إلى ما وراء قناة السويس، بينما لدي المصريين معدات متنوعة وفعالة، ودبابات ومدفعية وصواريخ.

- إنه رغم تفوق الطيران الإسرائيلي؛ إلا أن صواريخ الدفاع الجوي المصري تشكِّل صعوبة للطيران الإسرائيلي.

- إن الجيش الإسرائيلي لم يعد أكثر قوة من المصريين.

- إن هناك تفكير في الانسحاب إلى خطوط أقل تبعثرًا وأكثر أمنًا.

- إن مئات الدبابات دمرت، وفقدت 50 طائرة في ثلاثة أيام، والأمل في أن يرسل الأمريكان طائرات ودبابات لإسرائيل.

وقد سأل أحد الصحفيين ديان: هل الأمريكيون على علم بمجريات الأمور؟ فأجاب ديان: لست متأكدًا، ولكن سياستنا تقوم على إبلاغهم بأدق التفاصيل.

وفي نفس الليلة أدلى شارون بتصريح قال فيه: اعتقد أن حربنا قد أصابت الولايات المتحدة بشيء من خيبة الأمل؛ لأننا لم ندمرهم أو حتى نجبرهم على التراجع.

وفي اجتماع مجلس الوزراء في نفس اليوم للاستماع إلى بيان عن الأوضاع العسكرية، أوضح ديان أن الحرب على الجبهة الجنوبية (الجبهة المصرية) قد تطول، وأن المصريين لديهم أسلحة كثيرة، وأن القوات الإسرائيلية تواجه مواقف صعبة.

وقد عرضت جولدا مائير على المجلس أن تسافر بنفسها إلى أمريكا لتعرض الموقف على الرئيس الأمريكي نيكسون حتى تضمن نجدة إسرائيل، وكانت المكالمات التليفونية من إسرائيل إلى وزير الخارجية الأمريكية كيسنجر مستمرة؛ مما يضطره أحيانًا للاستيقاظ ليلًا للرد على هذه الاتصالات، وكلها كانت تدور حول المطالب الإسرائيلية لتعويض ما خسره الإسرائيليون في أيام الحرب الثلاثة السابقة.

الموقف الأمريكي:

كانت وزارة الدفاع الأمريكية ترى أنه لا وجه للسرعة في هذا الأمر، وأن إسرائيل لديها ترسانة عسكرية كبيرة، وفي المقابل: قام كيسنجر بجهود كبيرة للإقناع الرئيس الأمريكي نيكسون بحتمية عمل جسر جوي، وآخر بحري لإمداد إسرائيل بما تطلبه، وهو ما تم بالفعل بعد أيام قليلة؛ فتم أرسال طائرات، منها طائرات بطياريها! ودبابات، ومنها: دبابات بأطقمها! لتعويض إسرائيل عما فقدته في الحرب من سلاح وأفراد.

وكان كيسنجر قد صرَّح بعد علمه يوم 9 أكتوبر بفشل الهجوم الإسرائيلي المضاد بقوله: لقد حقق العرب نصرًا إستراتيجيًّا في الشرق الأوسط دون النظر إلى النتيجة النهائية للحرب، وأصبح هناك وضع جديد، ولن تعود العجلة إلى الوراء.

جنود أمريكان للدفاع عن إسرائيل:

جاء في مذكرات العميد (نتان نير) قائد اللواء الإسرائيلي مدرع 217، أنه أثناء المعارك جاءه أحد قادة الكتائب وأخبره أن واحدًا من أطقم دباباته التي وصلت حديثًا من أمريكا طلب منه الإذن بأخذ راحة 24 ساعة للبحث عن مخدرات لتدخينها، وأخبره أنه معتاد على تدخين (الماريجوانا) في أمريكا بشكل يومي.

أورد هذه القصة الكاتب الصحفي إسلام الشافعي في صفحة 120 من كتابه: (حرب الأيام الأربعة من داخل غرفة عمليات الجيش الإسرائيلي) الذي نشر فيه تسجيلات لبعض البلاغات العسكرية الإسرائيلية من غرفة العمليات، والتي احتفظ بها الجنرال (جونين) قائد الجبهة الجنوبية سرًّا إلى أن تم الإفراج عن نشر بعض الوثائق عن حرب أكتوبر 1973، بعد مرور 25 سنة على الحرب، ويضم الكتاب أيضًا بعض مقتطفات من مذكرات القادة الإسرائيليين والتي سجلها الكاتب إسلام الشافعي بحكم تخصصه في اللغة العبرية (راجع في ذلك مقال يوم 9 أكتوبر: "عرف شارون أن المصريين لحمهم مر"، للكاتب الراحل إبراهيم حجازي - جريدة الأهرام عدد الجمعة 13 نوفمبر 2020، ص 15) .

موقف الاتحاد السوفيتي:

في الوقت الذي لم تتردد الولايات المتحدة في مساعدة إسرائيل بالمعلومات الاستخبارية والنصائح العسكرية، بل ونجدة إسرائيل عن طريق تعويضها عن الأسلحة التي خسرتها في أيام الحرب؛ نجد أن الاتحاد السوفيتي كان حريصًا على ألا يتورط في هذه الحرب بصورةٍ مِن الصور:

- فقد كرر الاتحاد السوفيتي دعوته لوقف إطلاق النار على الجبهتين: المصرية والسورية، في الوقت الذي لم تكن مصر قد حققت بعد الهدف الإستراتيجي من دخول الحرب.

- وفي لقاء عاجل مع الرئيس السادات بناءً على طلب السفير السوفيتي، حمل السفير السوفيتي رسالة تتضمن دعوة مصر إلى الموافقة على مشروع لوقف إطلاق النار حيث إن مجلس الأمن بدأ في بحث مشروع قرار بهذا الشأن، وأن امتناع مصر عن تنفيذه سيؤدي إلى إصدار مجلس الأمن قرارات أكثر تشددًا، أما إذا اعترض الاتحاد السوفيتي على مشروع القرار باستخدام حق الفيتو فسوف يعيق التوصل إلى قرار مثله في المستقبل.

وقد رفض السادات مطلب الاتحاد السوفيتي يومها، وكان الاتجاه في أمريكا وقتها يميل أيضًا إلى التمهل في إصدار قرار إطلاق النار حيث إن وقف النار على الأوضاع القائمة وقتها، وفي ظل التفوق للقوات المصرية يعني في نظر أمريكا انتصار السلاح السوفيتي على السلاح الأمريكي في المعركة، وهو ما لا تقبله أمريكا.

الصفحة السابقة