الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (89) دين إبراهيم وهو دين جميع الأنبياء واحد وهو قائم على الوحي المُنَزَّل (9)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله تعالى: ( إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا . وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا . رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ) (النساء: 163-165) .
الفائدة التاسعة:
قال ابن حزم -رحمه الله-: "وقد صَحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن رجلًا لم يعمل خيرًا قط، فلما حضره الموت قال لأهله: إذا مت فأحرقوني ثم ذروا رمادي في يوم راح، نصفه في البحر ونصفه في البر، فوالله لئن قدر الله تعالى علي ليعذبني عذابًا لم يعذبه أحدًا من خلقه، وأن الله عز جل جمع رماده فأحياه وسأله: ما حملك على ذلك؟ قال: خوفك يا رب. وأن الله تعالى غفر له لهذا القول.
قال أبو محمد: فهذا إنسان جهل إلى أن مات أن الله عز وجل يقدر على جمع رماده وإحيائه، وقد غفر له لإقراره وخوفه وجهله، وقد قال بعض مَن يحرِّف الكلم عن مواضعه: أن معنى لئن قدر الله عليَّ؛ إنما هو لئن ضيَّق الله علي، كما قال تعالى: "وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه".
قال أبو محمد: وهذا تأويل باطل لا يمكن؛ لأنه كان يكون معناه حينئذٍ: لئن ضيَّق الله علي ليضيقن علي، وأيضًا: فلو كان هذا؛ لما كان لأمرهم بأن يُحرَق ويذر رماده، معنى، ولا شك في أنه إنما أمر بذلك ليفلت مِن عذاب الله تعالى.
( قلتُ: هذا الحديث الصحيح الثابت المتلقَّى بالقبول من الأمة؛ دَلَّ على أن الجهل ولو في أصول الدِّين، ولو في صفات الله عز وجل والإيمان باليوم الآخر، إذا كان ناشئًا عن عدم البلاغ ولو بتقصير في طلب العلم؛ لا يكفَّر صاحبه حتى تقام عليه الحجة الرسالية التي يكفر مخالفها؛ وذلك أن هذا الرجل جهل ثلاثة أصول عظيمة من أصول الدين: جهل قدرة الله عز وجل عليه، وشك في البعث بعد الموت، وشك في عِلْم الله عز وجل.
وقد دَلَّ على ذلك رواية حَسَّنها ابن حجر في فتح الباري: أن الرجل قال: لعلي أُضِلُّ الله! فهو يظن أنه بذلك يفوت من الله، وأن الله لا يدري أين هو، وكل واحدة من هذه كفر، ومع ذلك فقد نَجَى الرجلُ في نهاية الأمر، ولا يلزم من المعفرة له أن لا يعذب على تفريطه في الطاعة وعلى تقصيره في طلب العلم، فإن في رواية أحمد في مسنده عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه لهذه القصة: أن هذا الرجل هو آخر مَن يخرج مِن النار، فدل ذلك على أنه عُوِقَب ثم غُفِر له، وهذه المسألة من أهم الأمور؛ أعني مسألة مَن قَصَّر في طلب العلم، لكنه لم يبلغه عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم خِلَاف ما اعتقده).
قال أبو محمد: وأبْيَن من شيء في هذا: قول الله تعالى: "إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء" إلى قوله: "ونعلم أن قد صدقتنا"؛ فهؤلاء الحواريون الذين أثنى الله عز وجل عليهم قد قالوا بالجهل لعيسى عليه السلام: هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء؟ ولم يبطل بذلك إيمانهم، وهذا ما لا مخلص منه، وإنما كانوا يكفَّرون لو قالوا ذلك بعد قيام الحجة، وتبيُّنهم لها.
قال أبو محمد: وبرهان ضروري لا خلاف فيه، وهو: أن الأمةَ مجمعة كلها بلا خلاف مِن أحدٍ منهم، وهو أن كلَّ مَن بدَّل آية من القرآن عامدًا وهو يدري أنها في المصاحف بخلاف ذلك، وأسقط كلمة عمدًا كذلك، أو زاد فيها كلمة عامدًا؛ فإنه كافر بإجماع الأمة كلها، ثم أن المرء يخطئ في التلاوة فيزيد كلمة وينقص أخرى، ويبدل كلامه جاهلًا مقدِّرًا أنه مصيب، ويكابر في ذلك ويناظر قبل أن يتبيَّن له الحق، ولا يكون بذلك عند أحدٍ من الأمة كافرًا ولا فاسقًا ولا آثمًا، فإذا وقف على المصاحف أو أخبره بذلك مِن القراء مَن تقوم الحجة بخبره، فإن تمادى على خطئه؛ فهو عند الأمة كلها كافر بذلك لا محالة، وهذا هو الحكم الجاري في جميع الديانة.
وقال أيضًا رحمه الله: وقال قائلهم: فإذا عذرتم للمجتهدين إذا أخطأوا، فأعذروا اليهود والنصارى والمجوس وسائر الملل؛ فإنهم أيضًا مجتهدون قاصدون الخير!
فجوابنا -وبالله تعالى التوفيق-: أننا لم نعذر مِن عذرنا بآرائنا، ولا كفَّرنا مَن كفرنا بظننا وهوانا، وهذه خطة لم يؤتها الله عز وجل أحدًا دونه، ولا يدخل الجنة والنار أحدٌ، بل الله تعالى يدخلها مَن شاء، فنحن لا نسمي بالإيمان إلا مَن سَمَّاه الله به؛ كل ذلك على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يختلف اثنان مِن أهل الأرض لا نقول من المسلمين، بل مِن كل ملة في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع بالكفر على أهل كل ملة؛ غير الإسلام الذي تبرأ أهله مِن كل ملة حاشا التي أتاهم بها عليه السلام فقط، فوقفنا عند ذلك، ولا يختلف أيضًا اثنان في أنه عليه الصلاة والسلام قطع باسم الإيمان على كلِّ مَن اتبعه وصدَّق بكلِّ ما جاء به، وتبرأ من كل دين سوى ذلك، فوقفنا أيضًا عند ذلك، ولا مزيد؛ فمن جاء نص في إخراجه عن الإسلام بعد حصول اسم الإسلام له أخرجناه منه؛ سواء أُجمِع على خروجه منه أو لم يجمع، وكذلك مَن أجمع أهل الإسلام على خروجه عن الإسلام؛ فواجب اتباع الإجماع في ذلك.
