شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (89) دين إبراهيم وهو دين جميع الأنبياء واحد وهو قائم على الوحي المُنَزَّل (9)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

وأما مَن لا نص في خروجه عن الإسلام بعد حصول الإسلام له، ولا إجماع في خروجه أيضًا عنه؛ فلا يجوز إخراجه عما قد صَحَّ يقينًا حصوله فيه، وقد نص الله تعالى على ما قلنا، فقال: "ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين"، وقال تعالى: "ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلًا أولئك هم الكافرون حقًّا"، وقال تعالى: "قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون. لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم"؛ فهؤلاء كلهم كفار بالنص، وصَحَّ الإجماع على أن كل مَن جحد شيئًا صح عندنا بالإجماع: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أتى به؛ فقد كفر، وصح بالنص: أن كل مَن استهزأ بالله تعالى أو بمَلَك من الملائكة، أو بنبي من الأنبياء عليهم السلام، أو بآية من القرآن، أو بفريضة من فرائض الدِّين؛ فهي كلها آيات الله تعالى بعد بلوغ الحجة إليه فهو كافر، ومَن قال بنبي بعد النبي عليه الصلاة والسلام، أو جحد شيئًا صَحَّ عنده بأن النبي صلى الله عليه وسلم قاله فهو كافر؛ لأنه لم يحكِّم النبي صلى الله عليه وسلم فيما شَجَر بينه وبين خصمه.

وقال أيضًا رحمه الله: وسألوا أيضًا عما قال: أنا أدري أن الحج إلى مكة فرض، ولكن لا أدري: أهي بالحجاز أم بخراسان أم بالأندلس؟ وأنا أدري أن الخنزير حرام، ولكن لا أدري أهو هذا الموصوف الأقرن أم الذي يحرث به؟

قال أبو محمد: وجوابنا هو: أن مَن قال هذا؛ فإن كان جاهلًا عُلِّم ولا شيء عليه؛ فإن المشببين لا يعرفون هذا إذا أسلموا حتى يعلموا، وإن كان عالمًا فهو عابث مستهزئ بآيات الله تعالى؛ فهو كافر مرتد حلال الدم والمال.

ومَن قذف عائشة رضي الله عنها فهو كافر لتكذيبه القرآن، وقد قذفها مسطح وحمنة فلم يكفرا؛ لأنهما لم يكونا حينئذٍ مكذبين لله تعالى، ولو قذفاها بعد نزول الآية لكفرا.

وأما مَن سَبَّ أحدًا مِن الصحابة رضي الله عنهم؛ فإن كان جاهلًا فمعذور، وإن قامت عليه الحجة فتمادى غير معاند فهو فاسق، كمَن زنى وسرق، وإن عاند الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فهو كافر، وقد قال عمر رضي الله عنه بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم عن حاطب -وحاطب مهاجر يدري-: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فما كان عمر بتكفيره حاطبًا كافرًا، بل كان مخطئًا متأولًا، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: آية النفاق بغض الأنصار، وقال لعلي: لا يبغضك إلا منافق.

ومَن أبغض الأنصار لأجل نصرتهم للنبي صلى الله عليه وسلم فهو كافر؛ لأنه وجد الحرج في نفسه مما قد قضى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم مِن إظهار الإيمان بأيديهم، ومَن عادى عليًّا لمثل ذلك فهو أيضًا كافر، وكذلك مَن عادى مَن ينصر الإسلام لأجل نصرة الإسلام لا لغير ذلك.

وقد فَرَّق بعضهم بين الاختلاف في الفتيا والاختلاف في الاعتقاد، بأن قال: قد اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتيا فلم يكفِّر بعضهم بعضًا، ولا فسَّق بعضهم بعضًا.

قال أبو محمد: وهذا ليس بشيء، فقد حدث إنكار القدر في أيامهم، فما كفَّرهم أكثر الصحابة رضي الله عنهم ( قلتُ: بل ظاهر كلام ابن عمر وغيره من الصحابة، تكفير غلاة القدرية الذين قالوا: لا قَدَر، وأن الأمر أنف؛ وذلك أن مقتضى قولهم: إنكار علم الله عز وجل إذ هو أول مراتب القدر. وقد قال عمرو بن عبد العزيز وغيره: ناظروا القدرية بالعلم؛ فإن أنكروا كفروا، وإن أقروا خصموا؛ فدل ذلك على تكفير مَن أنكر علم الله عز وجل).

قال أبو محمد بن حزم: وقد اختلفوا في الفتيا على ذلك، وسُفِكَت الدماء؛ كاختلافهم في تقديم بيعة علي على النظر في قتلة عثمان رضي الله عنهم، وقد قال ابن عباس رضي الله عنه: مَن شاء بأهلته عند الحجر الأسود أن الذي أحصى رمل عالج لم يجعل في فريضة واحدة نصفًا ونصفًا وثُلُثًا ( قلتُ: يعني العول الذي خالف فيه جماهير الصحابة والعلماء رضي الله عن الجميع).

قال أبو محمد: ونحن نختصر ها هنا إن شاء الله تعالى، ونوضِّح كلَّ ما أطلنا فيه، قال تعالى: "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا"، وقال تعالى: "لأنذركم به ومن بلغ"، وقال تعالى: "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا"؛ فهذه الآيات فيها بيان جميع هذا الباب؛ فصح أنه لا يكفر أحدٌ حتى يبلغه أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فإن بلغه فلم يؤمن به فهو كافر، فإن آمن به ثم اعتقد ما شاء الله أن يعتقده في نحلة أو فتيا أو عَمِل ما شاء الله تعالى أن يعمله دون أن يبلغه في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم حكمٌ بخلاف ما اعتقد أو قال أو عمل؛ فلا شيء عليه أصلًا حتى يبلغه.

( قلتُ: أما مَن لم يبلغه خبرَ النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن كان موحِّدًا: كبعض أهل الكتاب، وبعض مَن كان على الحنيفية يعرف ربه عز وجل ويعبده وحده، دون علم بتفصيل العبادة لم يجز تكفيره كما ذَكَر، وأما إن كان مشركًا ولم يبلغه خبر النبي صلى الله عليه وسلم، ولا خبر غيره مِن رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين؛ فهو كافر معذور في الدنيا، فلا يقتل حتى يبلَّغ ويدعى إلى الإسلام، وفي الآخرة فلا يعذب، بل يمتحن؛ فإن أطاع الله عز وجل نجا).

قال: فإن بلغه وصح عنده؛ فإن خالفه مجتهدًا فيما لم يبين له وجه الحق في ذلك فهو مخطئ معذور مأجور مرة واحدة، كما قال عليه السلام: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب؛ فله أجران، وإن أخطأ فله أجر"، وكل معتقد أو قائل أو عامل فهو حاكم في ذلك الشيء، وإن خالفه بعمله معاندًا للحق معتقدًا بخلاف ما عمل به فهو مؤمن فاسق، وإن خالفه معاندًا بقوله أو قلبه فهو كافر مشرك؛ سواء ذلك في المعتقدات والفتيا للنصوص التي أوردنا، وهو قول إسحاق بن راهويه وغيره، وبه نقول. وبالله تعالى التوفيق" (الفصل في الملل والنحل، 140/ 3) .

الصفحة السابقة