شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الوصايا النبوية (8) التعزي في المصيبة بموت النبي -صلى الله عليه وسلم- (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

- الإشارة إلى فضل الوصايا النبوية (مقدمة الموعظة الأولى).

- وصية اليوم: عن عائشة -رَضِيَ اللَّهُ عنْها- قالت: فتح رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بابًا بينه وبين الناسِ، أو كشف سترًا، فإذا الناس يصلُّون وراءَ أبِي بكرٍ، فحمد اللهَ على ما رأى من حسنِ حالِهم، و رجا أن يخلِفَه اللهُ فيهم بالذي رآهم، فقال: "يا أيها الناسُ، أيما أحدٌ من الناسِ أو من المؤمنين أُصيبَ بمُصيبةٍ، فلْيعتزَّ بمصيبتِه بي عن المصيبةِ التي تصيبُه بغيري، فإنَّ أحدًا من أُمَّتي لن يُصابَ بمصيبةٍ بعدي أشدَّ عليه من مُصيبتِي" (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) .

- بيان المعنى الإجمالي للوصية، والغرض منها، ثم الإشارة إلى العناصر التالية.

موت النبي -صلى الله عليه وسلم- أعظم مصيبة للبشرية:

- الإشارة إلى أن بيان ذلك سيكون من وجهين:

الأول: انقطاع الوحي وغياب سبب الرحمة الأعظم.

والثاني: حال الصحابة يوم وفاته -صلى الله عليه وسلم-.

أولًا: انقطاع الوحي وغياب سبب الرحمة الأعظم:

- وجود النبي -صلى الله عليه وسلم- في الدنيا سبب للرحمة، والأمن من نزول العذاب العام: قال -تعالى-: ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ) (الأنبياء:107) ، وقال -تعالى-: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) (الأنفال: 33) ، قال ابن عباس -رَضِيَ اللَّهُ عنْهما-: " كَانَ فِيهِمْ أَمَانَانَ: النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-، وَالِاسْتِغْفَارُ؛ فَذَهَبَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- وبقي الاستغفار" (تفسير ابن كثير، والطبري) .

- لكن لا يعرف ذلك إلا مَن عرف قيمة الوحي، والنور الذي جاء به رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فأخرجنا من الظلمات والضلال إلى النور والهدى: قال -تعالى-: ( قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ . يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) (المائدة: 15-16) .

- الصحابة أعظم مَن عرفوا قيمة الوحي، وفضل بعثته -صلى الله عليه وسلم-: عن أنس -رَضِيَ اللَّهُ عنْه-: "أن أَبا بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عنْه- بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قال لِعُمَرَ: انْطَلِقْ بنَا إلى أُمِّ أَيْمَنَ نَزُورُهَا كما كانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَزُورُهَا، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إلَيْهَا بَكَتْ، فَقالَا لَهَا: ما يُبْكِيكِ؟ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَقالَتْ: ما أَبْكِي أَنْ لا أَكُونَ أَعْلَمُ أنَّ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ -صلى الله عليه وسلم-، وَلَكِنْ أَبْكِي أنَّ الوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ، فَهَيَّجَتْهُما علَى البُكَاءِ، فَجَعَلَا يَبْكِيَانِ معهَا" (رواه مسلم) . وروي: "أن بلالًا كان يؤذن بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل دفنه فلما قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، ارتج المسجد بالبكاء والنحيب، فلما دفن ترك بلال الأذان..." (لطائف المعارف لابن رجب) .

ولما حضرت الوفاة عمرو بن العاص -رَضِيَ اللَّهُ عنْه- جعل يبكي بكاءً شديدًا، فسألوه، فكان من بين مما قال: "... إنَّ أفْضَلَ ما نُعِدُّ شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللهِ، إنِّي قدْ كُنْتُ علَى أطْباقٍ ثَلاثٍ، لقَدْ رَأَيْتُنِي وما أحَدٌ أشَدَّ بُغْضًا لِرَسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنِّي، ولا أحَبَّ إلَيَّ أنْ أكُونَ قَدِ اسْتَمْكَنْتُ منه، فَقَتَلْتُهُ، فلوْ مُتُّ علَى تِلكَ الحالِ لَكُنْتُ مِن أهْلِ النَّارِ... " (رواه مسلم) .

ثانيًا: حال الصحابة يوم وفاته -صلى الله عليه وسلم-:

- حالهم يدل على عظم المصيبة؛ فقد كان يوم موت النبي -صلى الله عليه وسلم- هو المصيبة الكبرى عندهم، ولأنهم كانوا يخافون على أنفسهم من بعده: قال أنس -رَضِيَ اللَّهُ عنْه-: "لمَّا كانَ اليومُ الَّذي دخلَ فيهِ رسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- المدينةَ أضاءَ منْها كلُّ شيءٍ، فلمَّا كانَ اليومُ الَّذي ماتَ فيهِ أظلمَ منْها كلُّ شيءٍ، ونفَضنا عن رسولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- الأيدي، وإنَّا لفي دفنِهِ حتَّى أنْكَرنا قلوبَنا" (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

- لقد كان هول الصدمة عليهم شديدًا؛ لأنهم أحبوه أكثر من كل شيء؛ لأنهم خير مَن وعى قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حتَّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْهِ مِن والِدِهِ ووَلَدِهِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ" (متفق عليه) .

الصفحة التالية