شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الوصايا النبوية (8) التعزي في المصيبة بموت النبي -صلى الله عليه وسلم- (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

- شواهد من ذلك يوم الوفاة: ذكر أصحاب السير: أن عمر بن الخطاب -رَضِيَ اللَّهُ عنْه- جعل يقول: "إن رجالًا من المنافقين يزعمون أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- توفي، وإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما مات، لكن ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فغاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم بعد أن قيل: قد مات، والله، ليرجعنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أنه مات. وأقبل أبو بكر -رَضِيَ اللَّهُ عنْه- على فرس من مسكنه بالسُّنح حتى نزل، فدخل المسجد، فلم يكلم الناس، حتى دخل على عائشة -رَضِيَ اللَّهُ عنْها- فتيمم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو مغشى بثوب حِبَرَة، فكشف عن وجهه ثم أكب عليه، فقبله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي، لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كُتبَت عليك فقد مِتَّهَا، ثم خرج أبو بكر، وعمر يكلم الناس، فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فتشهد أبو بكر، فأقبل الناس إليه، وتركوا عمر، فقال أبو بكر: أما بعد، من كان منكم يعبد محمدًا -صلى الله عليه وسلم- فإن محمدًا قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حيٌ لا يموت، قال الله: ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) (آل عمران: 144) ، قال ابن عباس: والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها منه الناس كلهم، فما أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها" (الرحيق المختوم لصفي الرحمن المباركفوري) .

تعزوا في مصابكم بموت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:

- إن المصائب والمحن في هذه الحياة سنة كونية كالهواء والماء: قال -تعالى-: ( لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ ) (البلد: 4) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) (الكهف:7) ، وقال: ( وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) (الأنبياء:35) ، وقال: ( فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ ) (المائدة:106) .

(1) موت الأحبة من أعظم ما يبتلى به الإنسان في الدنيا، والأحبة يتنوعون بين الآباء والأمهات، والأبناء والأشقاء، والأزواج والأصحاب، وغيرهم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( الوالِدُ أوسطُ أبوابِ الجنَّةِ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم- عن الأم: ( ... فالزَمها فإنَّ الجنَّةَ تحتَ رِجلَيها ) (رواه النسائي، وقال الألباني: حسن صحيح) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( يقولُ اللَّهُ -تعالى-: ما لِعَبْدِي المُؤْمِنِ عِندِي جَزاءٌ، إذا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِن أهْلِ الدُّنْيا ثُمَّ احْتَسَبَهُ إلَّا الجَنَّةُ ) (رواه البخاري) ، وقال عن الزوجة الصالحة: ( الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا المَرْأَةُ الصَّالِحَةُ ) (رواه مسلم) ، وقال عمر بن الخطاب -رَضِيَ اللَّهُ عنْه- عن الشقيق الصالح الذي استشهد يوم اليمامة: "ما هبّت ريحُ الصَّبا، إلا وجدتُ منها ريح زيد"، وقال -صلى الله عليه وسلم- عن الصديق الصالح: ( ورَجُلَانِ تَحَابَّا في اللَّهِ، اجْتَمعا عليه وتَفَرَّقَا عليه ) (متفق عليه) .

- من أعظم ما يصبِّر الإنسان على فقدان الأحبة: أن يتذكر مصيبة موت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمْ مُصِيبَةٌ، فَلْيَذْكُرْ ‌مُصِيبَتَهُ ‌بِي، فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ ) (رواه البيهقي، وصححه الألباني) .

وقال الشاعر -أبو العتاهية-:

اِصـبـِـر لِـكُـلِّ مُـصـيـبَـةٍ وَتَجَـلـَّـدِ وَاِعلَم بِأَنَّ الـمـَرءَ غَـيـرُ مُخَـلَّــدِ

أَوَما تَرى أَنَّ الـمـَصـائِـبَ جَـمَّـةٌ وَتَـرى المَـنِـيَّـةَ لِلعِـبـادِ بِـمَـرصـَدِ

مَن لَم يُصِب مِمَّن تَرى بِمُصيبَةٍ هَــذا سَبـيـلٌ لَـسـتَ فـيهِ بِـأَوحــَدِ

وَإِذا ذَكـَرتَ مُـحَـمَّــدًا وَمـَـصـابَهُ فـَاِذكُــر مُـصـابَـكَ بِالنَبِيِّ مُحـَـمِّـَدِ

فاللهم هَوِّن علينا مصائب الدنيا، وأجمعنا بنبينا محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- في جنات النعيم.

الصفحة السابقة