حرب العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر كأنها تراها (10)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
الأيام من 14 إلى 17 رمضان - 10 إلى 13 أكتوبر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فبعد مضي نصف قرن هجري من الزمان على حرب العاشر من رمضان 1393 إلى رمضان 1443 هـ - السادس من أكتوبر، رَحَل -أو يكاد- مَن حضروا هذه الحرب أو عاصروها؛ فلزم علينا أن نذكِّر الأجيال الجديدة بهذه الحرب المجيدة، وما قدَّم المصريون فيها مِن تضحياتٍ، وما بذلوه من جدٍّ واجتهاد في قوة تحمُّل وصبر، وإخلاص وصدق حقَّقوا به مجدًا كبيرًا في ظروف أسوأ وأصعب بكثيرٍ مِن الظروف التي نعاني منها حاليًا؛ إنها روح العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر التي نفتقدها الآن، ونحن أحوج ما نكون إليها.
كانت الساعات الست الأولى من حرب العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر كافية؛ لأن يفقد العدو الإسرائيلي توازنه العسكري، ومِن ثَمَّ تَعَلُّق آماله بدفع قواته الاحتياطية بعد اكتمال تعبئتها يوم 8 أكتوبر لتحقيق التوازن العسكري الذي تتمناه، وهو ما فشلت فيه أيضًا؛ كانت الأيام الأربعة من الأولى من الحرب كافية لأن تتيقن القيادات العسكرية الإسرائيلية أنها غير قادرة وحدها على مواجهة الجيش المصري، وحتمية التدخل الأمريكي المباشر لنجدة ودعم إسرائيل عسكريًّا قبل فوات الأوان، وهو ما لم تتردد الولايات المتحدة في القيام به استجابة لاستغاثة الحكومة الإسرائيلية وإلحاحها في طلب الدعم الأمريكي العسكري السريع من خلال أطول وأكبر جسر جوي في التاريخ الحديث لنقل الطائرات والمدرعات والصواريخ، وسائر أنواع السلاح الحديثة الموجودة في الترسانة الأمريكية تزامنًا مع جسر آخر بحري.
ومن هنا كانت أيام الحرب من 14 إلى 17 رمضان التي وافقت الأيام من 10 إلى 13 أكتوبر بداية مرحلة إستراتيجية جديدة للعدو الإسرائيلي تزامنت مع تعيين الجنرال بارليف -الذي تسمَّى باسمه خط بارليف المنيع- قائدًا جديدًا لجبهة القتال الجنوبية في سيناء، وتزامنت مع بداية الموافقة الأمريكية على دعم إسرائيل عسكريًّا بقوة.
وكانت الرؤية الجديدة للقيادة العسكرية للعدو في هذه الفترة تقوم على:
- تثبيت الموقف في الجبهة المصرية بنفس القوات الإسرائيلية الموجودة، ودعمها بأكبر قدر من الإمكانات التي يوفرها الدعم العسكري المنتظر.
- وضع خطة لاختراق الجيش المصري لإحداث توازن مقبول سياسيًّا.
وهذه الإستراتيجية الجديدة تعد التنفيذ العملي لما قاله وزير الخارجية الأمريكي كيسنجر للسفير الإسرائيلي في أمريكا ونقله للقادة في إسرائيل طبقًا لما جاء في الصفحة 345 من الطبعة العربية لمذكرات وزير الخارجية الأمريكي كيسنجر، والتي قال فيها للسفير الإسرائيلي: (طالما إسرائيل اطمأنت لإعادة إمدادها؛ فإنها ليست في حاجة للاحتفاظ باحتياطاتها، وليست في نفس الوقت مضطرة لإجراء مناورات معقدة... كل ما يهم إسرائيل الآن العودة إلى خطوط ما قبل الحرب بأسرع ما يمكن أو تتجاوزها في إحدى الجبهتين -أي: الجبهتين السورية والمصرية- فنحن -أي: أمريكا- لا نستطيع تأجيل تقديم الاقتراح إلى مجلس الأمن بوقف إطلاق النار وقتًا طويلًا).
لقد حرصت أمريكا طوال الأيام الأولى للحرب والتي أظهرت التفوق المصري الكاسح واستيلاء المصريين على قناة السويس والتوغل في عمق سيناء، على تعطيل ومنع صدور أي قرار متوقع من مجلس الأمن -الذي تتحكم أمريكا في زمامه- يطالب بوقف إطلاق النار؛ إذ ليس هذا في مصلحة إسرائيل المهزومة التي تحطم خط دفاعها الأول عند قناة السويس، وباتت تتراجع داخل سيناء، وذلك في انتظار تحقيق الجيش الإسرائيلي لقدر من التوازن العسكري أو تحقيق انتصار ولو محدود يمكن البناء السياسي عليه عند وقف إطلاق النار، وهو الطريق الوحيد الآن الذي يجب على إسرائيل أن تسلكه لإنقاذ إسرائيل مما تردت فيه مهما كان الثمن.
وخلال تلك الأيام كانت القوات المصرية قد استكملت سيطرتها على مجرى الأمور؛ خاصة بعد أن هدأت وقلت هجمات العدو المضادة إذ صارت هجمات العدو الكبيرة محدودة، وتهدف إلى تثبيت القوات المصرية وإحداث أكبر قدر من الخسائر بها، وهي الهجمات التي تم التصدي لها بالكامل، مع قيام الجيشين: الثاني والثالث في هذه المرحلة بتوسيع وتوحيد رؤوس الكباري، وكذلك الاستيلاء على أراضٍ جديدة؛ سواء كانت أراضي حيوية كان يسيطر من العدو وأُجبِر على الانسحاب منها والتخلي عنها، أو أراضي احتلتها قواتنا قبل وصول قوات العدو إليها.
في يوم 10 أكتوبر تم في قطاع الجيش الثالث:
- الاستيلاء على جبل المر بعد معارك طويلة حسمتها قواتنا.
- الاستيلاء على مركز قيادة العدو ومنطقة إمداد رئيسية في (متلا).
- اقتحام اللواء الأول مشاة ميكانيكي موقع (عيون موسى) الحصين في خط بارليف.
وفي قطاع الجيش الثاني:
وقع صراع عنيف بين الفرقة الثانية مشاة المصرية والفرقة 162 مدرعة إسرائيلية من أجل السيطرة على موقع (الكونتور 100) الذي يقع على بعد 16 كم داخل سيناء شرق القناة شمال شرق الإسماعيلية، والذي لما استولت عليه القوات المصرية لجأ العدو إلى الإبرار الجوي بقوات مظليين إسرائيليين بواسطة طائرات الهليكوبتر على أن تلحق بهم قوات أخرى من المشاة الميكانيكي، فنزل المظليون في مدى نيران القوات المصرية فأوقعت القوات المصرية بهم خسائر جسيمة، وسرعان ما تكرر الأمر مع قوات المشاة الميكانيكي الإسرائيلي.
وفي بورسعيد:
بعد أن أصاب العدو في غاراته على بورسعيد في يومي: 8 و9 أكتوبر بعض كتائب صواريخ الدفاع الجوي بأعطال، أراد استثمار ذلك بهجمات جديدة في يوم 10 أكتوبر، وضرب أهدافًا مدنية في بورسعيد، فكانت المفاجأة التي لم تخطر على بال العدو أن الأعطال تم إصلاحها وتم كذلك دعمها بكتائب الصواريخ جديدة، وتساقطت الطائرات الإسرائيلية، ومن بعدها توقف الطيران الإسرائيلي عن الهجوم على بورسعيد.
وفي يوم 12 أكتوبر:
