حرب العاشر من رمضان السادس - من أكتوبر كأنك تراها (11)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
3- الوصول إلى المخارج الغربية لخط المضايق في سيناء على بعد 30 - 40 كم من القناة، وبالتالي حرمان العدو من المناورة على المحور العرضي غرب المضايق الذي يناور عليه باحتياطاته لتوجيه هجماته المضادة ضد رءوس الشواطئ (أي: رؤوس الكباري).
مخاطر الخطة المصرية:
ولكن كان لهذه الخطة المصرية عدة مخاطر تتركز في:
أولًا: الخروج من تحت سقف الدفاع الجوي غرب القناة، وتعرض احتياطياتنا المدرعة لتأثير الطيران الإسرائيلي، (وبرغم عِلْم القيادة المصرية بالقاعدة الإستراتيجية التي تحدد أن مَن يدفع احتياطه الإستراتيجي قبل خصمه، فإنه يكون مهددًا بفقدان أهم مبادئ الحرب وهو المبادأة، أي: القدرة على الاستمرار في الهجوم وإجبار العدو على التحرك لمقابلة أعماله؛ إلا أن القيادة المصرية قررت دفع الجزء الأكبر من احتياطيها مبكرا، وفي وقت لا يحسم المعركة، حتى تخفف الضغط عن سوريا وتجتذب الاحتياطيات الإسرائيلية في اتجاه الجبهة المصرية) (المصدر السابق، ص240 - 241) .
ثانيًا: عدم اشتراك المشاة في هذه المرحلة وبقاؤهم في رؤوس الكباري على الضفة الشرقية ضمانا لاتزان القوات المسلحة، وبالتالي عدم تطهير الأرض من الكمائن، كمائن الصواريخ المضادة للدبابات والألغام.
ثالثًا: عدم اكتمال معلومات الاستطلاع عن العدو والأرض، وتجهيزات العدو الهندسية الأخيرة التي أعدها لملاقاة الهجمة المضادة، كما أن توقيت بدء الهجوم كان في وقت تكون الشمس فيه في مواجهة قواتنا بزاوية تجعل من الصعب رؤية العدو واستخدام أجهزة التنشين بصورة سليمة (انظر المصدر السابق، ص 242) .
خطة العدو الدفاعية:
شعرت القيادة الإسرائيلية بنية هجوم قواتنا وتحققت منها، ووضعت الخطة المضادة ورفعت درجة استعداد قواتها في جبهة سيناء اعتبارًا من الساعة ثلاثين دقيقة بعد منتصف الليلة 13/ 14 أكتوبر، أي: كانت على استعداد قبل بدء هجومنا بست ساعات، وتم دفع الصواريخ المضادة للدبابات والطائرات والمدفعية، فكان للعدو أكثر من 900 دبابة في مقابل حوالي 300 دبابة لنا عند تطوير الهجوم، أي: أن المقارنة كانت لصالح العدو ثلاثة إلى واحد هذا في الدبابات فقط، وهي نسبة لا تسمح بالهجوم؛ بالإضافة إلى الصواريخ الإسرائيلية المضادة للدبابات.
كانت خطة الدفاع الإسرائيلية تعتمد على:
أ- تجهيز خطوط دفاعية مجهزة هندسيا أمامها حقول ألغام، وتعتمد على مواقع أسلحة مضادة لدبابات قوية (صواريخ أ س / أ س / 11)، وصواريخ أمريكية وكمائن دبابات في حفر مجهزة، مع وجود احتياطيات دبابات قوية للمناورة بها في اتجاه هجومنا بعد إيقافه، وهو نوع من الدفاع الأمريكي يسمى الدفاع المتحرك، الذي يدفع العدو بعد اجتذابه إلى أرض تسمَّى (أرض القتل) لتدميره.
ب- تجهيز بعض الطائرات الهليكوبتر الإسرائيلية بصواريخ (أس / أس / 11) لتدمير مدرعاتنا من الجو.
ج- تجهيز قاذفاته المقاتلة الفانتوم والسكاي هوك، والمقاتلات الميراج بصواريخ لاصقة، وقنابل ضد الدروع.
د- خطط العدو نيران المدفعية الثقيلة 175 مم بعيدة المدى (حوالي 32 كيلو مترًا) على مواقع صواريخنا المضادة للطائرات لإسكاتها عند بدء هجومنا.
ظهر التباين في صفوف قواتنا فقوات منها حققت اختراقات عميقة وتقهقر العدو أمامها، وقوات أخرى تعثرت في الهجوم عند اصطدامها بالعدو وتوقفت أمامه، فأكبر النجاحات كانت للجيش الثالث في اتجاه محور (متلا)، وللجيش الثاني في شرق الفردان.
أما قمة التعثر فكانت في تجاه محور جنوب الإسماعيلية بسبب قرار بدفع الفرقة 21 المدرعة من الغرب إلى الشرق على خلاف المهمة المكلفة بها مسبقًا في خطة الحرب، أي: من الواجب بالدفاع مع الفرقة الرابعة إلى واجب هجومي تم بصورة عاجلة، وقد فاجأت نيران كثيفة من مدفعية العدو أحد ألوية الفرقة، فأصابت مركز قيادة اللواء ليستشهد قائد اللواء ومعظم ضباط مركز القيادة، وبالتالي فقدت السيطرة على اللواء؛ مما أثر على الفرقة 21 بأكملها في المعركة.
وقد شهد هذا اليوم طلعات جوية للعدو أضعاف الطلعات الجوية على سوريا لمواجهة لإيقاف تقدم الهجوم المصري، وقد زاد من تأثيره بعد طلعاته عن الغطاء الجوي لصواريخ الدفاع الجوي، كما دفع العدو بأعداد كبيرة من قواته الاحتياطية لصد الهجوم المصري، ورغم أن خسائر قواتنا كانت كبيرة خاصة في الدبابات والتي بلغت 250 دبابة، ورغم نجاح العدو في صد الهجوم المصري؛ فقد كانت خسائر العدو أفدح من خسائرنا.
سير المعركة:
بعد ضربة الطيران المصري الساعة السادسة والربع صباحًا، وتمهيد المدفعية لمدة خمس عشرة دقيقة وضربة الصواريخ أرض / أرض متوسطة المدى، اندفعت المفارز المدرعة المصرية، وقد وجهت بمقاومة عنيفة جدًّا من العدو، اشترك فيها طيرانه ومدفعيته وصواريخه المضادة للدبابات وبالدبابات، وبالرغم أن الخسائر كانت كبيرة في الجانبين وبرغم مقاومة العدو الشديدة؛ فقد استمرت قواتنا في القتال باستبسال وإصرار على التقدم واكتساب الأرض، وتدمير قوات العدو، وكان القادة كالعادة على رأس القوات فاستشهد اثنان من قادة الألوية المدرعة في هذا اليوم، بينما أصيب اللواء سعد مأمون قائد الجيش الثاني بأزمة صحية من شدة المعارك وخسائرها نقل بعدها إلى مستشفى المعادي العسكري.
وقامت خلال هذا اليوم معارك جوية رهيبة سقطت فيها حوالي 15 طائرة فانتوم للعدو، وسقطت لنا 9 طائرات ميج 21 (راجع المصدر السابق، ص 244) .
قبل أن ينتهي يوم 14 أكتوبر، وبعد تقدير القيادة العسكرية المصرية للموقف كان اتخاذ القرار الصائب والحرج في نفس الوقت بعودة القوات المصرية التي استأنفت الهجوم صباحًا إلى أوضاعها السابقة قبل الهجوم؛ لقد (تأكدت القيادة المصرية في نهاية اليوم عدم جدوى الاستمرار في الهجوم)، وهو ما كان الفريق الشاذلي رئيس الأركان قد توقعه، (كما أن المعلومات توفرت عن تحريك العدو لأغلب احتياطاته في اتجاه الجبهة المصرية)، وهذا ما كان يهدف إليه التخطيط المصري لتخفيف الضغط على سوريا.
