حرب العاشر من رمضان السادس - من أكتوبر كأنك تراها (11)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
قال العميد عادل يسري: (بنجاح العدو في إيقاف هجومنا في هذا اليوم تمسكت قواتنا بالخطوط الجديدة المكتسبة، وتم سحب وحداتنا المدرعة مرة أخرى إلى داخل رؤوس الشواطئ لإعادة التجميع) (المصدر السابق، ص 245) .
وأضاف: (واعتبارًا من ليلة 15/ 16 أكتوبر بدأت إسرائيل في ممارسة المبادأة والعمل الهجومي بدفع عناصر ومفارز للضفة الغربية لقناة السويس، مع التركيز الرهيب بكل إمكانيات إسرائيل على فرقة واحدة فقط هي الفرقة 16 المشاة لإزالتها وتدميرها، لتأمين عملية عبور قناة السويس من الشرق للغرب. فقد قررت إسرائيل تنفيذ الثغرة مهما كلفتها من تضحيات؛ لأنها الجزء الباقي لها لمحاولة استعادة هيبتها إعلاميًّا ونفسيًّا) (المصدر السابق، ص 245) .
معركة المنصورة الجوية:
هي واحدة من أكبر ست معارك جوية في التاريخ العسكري الحديث، وهي أكبر معركة جوية بعد الحرب العالمية الثانية، والتي امتازت عن غيرها من المعارك باشتباك عدد كبير غير مسبوق من الطائرات، كما أنها استغرقت فترة زمنية غير مسبوقة أيضًا بلغت 53 دقيقة، وهي مدة زمنية طويلة في عالم المعارك الجوية لم ولن تتكرر؛ خاصة مع التقدم الذي طرأ على الطائرات الحربية في العقود التي تلت حرب 1973.
استعدت القيادة الجوية الإسرائيلية، وخططت وتهيأت في الأيام من 10 إلى 13 أكتوبر للقيام بعملية جوية كبيرة غير مسبوقة؛ خاصة بعد الحصول على موافقة أمريكا على تقديم الدعم العسكري الذي يعوض إسرائيل عن كل ما فقدته من طائرات في أيام الحرب، وبداية جسر الإمداد الجوي والبحري.
وفي يوم 18 رمضان - 14 أكتوبر نفذ العدو عمليته الجوية الضخمة لضرب المطارات المصرية في شمال الدلتا لتحييدها، وإفقادها القدرة على تقديم المساعدة في دعم وحماية القوات البرية المصرية؛ إذ كانت هذه المطارات تتولى حماية سيناء والدلتا، وجزءًا من مياهنا الإقليمية.
وهذه العملية لم تكن الأولى من نوعها في تلك الحرب؛ إذ سبقتها محاولات أخرى أيام: 7 و8 و12 أكتوبر، ولكن هذه العملية كان التخطيط والتنفيذ فيه تصميم قوي على تحقيق الهدف وبشراسة قتالية غير عادية، حيث شاركت في العملية 165 طائرة إسرائيلية جاءت من جهة البحر الأبيض المتوسط إلى شمال الدلتا عبر المنطقة بين دمياط وبلطيم وبورسعيد في ثلاث موجات جوية متتالية طبقًا لمراحل الخطة الموضوعة للهجوم الجوي؛ الموجة الأولى لاستدراج الطائرات المصرية بعيدًا عن المطارات التي تحميها، والموجة الثانية لضرب الدفاعات الجوية والرادارات، والموجة الثالثة لتنفيذ المهمة الرئيسية، وهي ضرب المطارات في منطقة الدلتا؛ خاصة مطارات المنصورة، وطنطا، والصالحية، وأنشاص، ، وفي كل موجة منها عدد كبير من الطائرات يضمن للعدو التفوق الكامل في المعركة؛ خاصة وأن طائرات العدو ذات إمكانيات قتالية عالية يصعب مواجهتها.
بدأت العملية الجوية في الساعة 15و3 ظهرًا برصد الموجة الأولى من طائرات العدو، وكانت تتكون من 20 طائرة للعدو قادمة تجاه شمال الدلتا من جهة البحر الأبيض المتوسط بغرض صرف الأنظار عن الهدف الرئيس للعملية، واستدراج الطائرات المصرية بعيدًا عن المطارات التي تحميها، فتم على الفور إقلاع 16 طائرة مصرية للتصدي لها مع أوامر بعدم التسرع في الاشتباك معها حتى تتضح نية العدو.
وفي الساعة 30و3 ظهرا تم رصد 60 طائرة قادمة من ثلاث جهات: بورسعيد، ودمياط، وبلطيم؛ فأقلعت لمواجهتها 16 طائرة ميج 21 من قاعدة المنصورة الجوية و8 طائرات من قاعدة طنطا إلى جانب الطائرات التي أقلعت سابقًا.
وفي الساعة 38و3 ظهرًا تم الإبلاغ عن موجة جديدة تتكون من 16 طائرة إسرائيلية قادمة من جهة البحر الأبيض وعلى ارتفاع منخفض، فأقلعت لمواجهتها 8 طائرات من قاعدة المنصورة و8 طائرات من قاعدة (أبو حماد)، وبدأت وقائع المعركة الفعلية.
وفي الساعة 52و3 قدمت موجة جوية جديدة بقوة 60 طائرة إسرائيلية من جهة بورسعيد، فأقلعت للمشاركة في المعركة 8 طائرات مصرية من مطار أنشاص، مع إعادة 20 طائرة كانت شاركت في المعركة ونفد وقودها وذخيرتها، وتم إعادة تزويدها بالوقود وتسليحها، لتستمر الاشتباكات بين القوتين حتى انسحاب الطائرات الإسرائيلية في الساعة الرابعة وثمان دقائق ظهرًا.
وقد أسفرت المعركة عن إسقاط 17 طائرة إسرائيلية مقابل سقوط ست من طائراتنا، ثلاث منها دمرها العدو، واثنتان بسبب نفاد الوقود قبل العودة للأرض، والثالثة تدمرت نتيجة عبورها عبر حطام طائرة فانتوم للعدو محترقة. وفشل العدو في تحقيق هدفه في ضرب مطاراتنا في الدلتا، فبقيت مطاراتنا سليمة ما عدا إصابة جزء من طرف ممر مطار المنصورة الذي لم يمنع طيارينا من استعمال باقي الممر في الإقلاع والهبوط بطائراتهم.
كانت المعركة صعبة للغاية؛ نظرًا لتفوق طيران العدو في العدد من جهة، وتفوق إمكانيات طائراته الفانتوم والسكاي هوك من جهة أخرى، والتي تمتاز بطول زمن فترة طيرانها، وكثرة تسليحها بينما كان زمن طيران طائراتنا قصيرًا، وتسليحها ضعيفًا مقارنة بطائرات العدو، فكانت طائراتنا لطول مدة الاشتباكات وشراسة القتال تحتاج من وقت إلى آخر إلى الهبوط والإقلاع من جديد لمعاودة الاشتباك مع العدو بعد التزود بالوقود والذخيرة؛ تكرر ذلك مع معظم الطيارين المصريين المشتركين في المعركة، مرة على الأقل أو مرتين، وقد أظهرت المعركة مدى كفاءة ومهارة المهندسين وموجهي الطائرات والفنيين في المطارات المصرية؛ إذ كانوا يقومون بإعادة تموين الطائرات التي هبطت إلى المطارات المصرية بعد نفاد وقودها ونفاد ذخيرتها، وتجهيزها لمعاودة الاشتباك مع العدو في مدة زمنية لا تتعدى 6 -7 دقائق، وهذا يعد عسكريًّا إنجازًا غير عادي.
وقد كان هذا الهجوم الجوي الإسرائيلي هو آخر هجوم للعدو على مطاراتنا؛ فقد امتنع العدو بعدها عن محاولة ضرب المطارات المصرية في الدلتا، وقد تم اعتبار يوم 14 أكتوبر من كل عام عيدًا سنويًّا للقوات الجوية المصرية.
ومن الأمور الغريبة: أن هذه المعركة الجوية الكبيرة لم يرد ذكرها أو الكلام عنها في مذكرات كلٍّ مِن الفريق الشاذلي، والرئيس السادات.
وللحديث بقية إن شاء الله.
