حرب العاشر من رمضان السادس - من أكتوبر كأنك تراها (11)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
يوم الأحد 18 رمضان - 14 أكتوبر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فبعد مضي نصف قرن هجري من الزمان على حرب العاشر من رمضان 1393 إلى رمضان 1443 هـ - السادس من أكتوبر، رَحَل -أو يكاد- مَن حضروا هذه الحرب أو عاصروها؛ فلزم علينا أن نذكِّر الأجيال الجديدة بهذه الحرب المجيدة، وما قدَّم المصريون فيها مِن تضحياتٍ، وما بذلوه من جدٍّ واجتهاد في قوة تحمُّل وصبر، وإخلاص وصدق حقَّقوا به مجدًا كبيرًا في ظروف أسوأ وأصعب بكثيرٍ مِن الظروف التي نعاني منها حاليًا؛ إنها روح العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر التي نفتقدها الآن، ونحن أحوج ما نكون إليها.
شهد اليوم الثامن من القتال يوم الأحد 18 رمضان - 14 أكتوبر حدثين كبيرين، وهما: عملية تطوير الهجوم المصري في سيناء، وانتصار الطيران المصري في معركة المنصورة الجوية.
تطوير الهجوم المصري:
كان قرار تطوير الهجوم المصري في 14 أكتوبر قرارًا سياسيًّا اتخذته القيادة السياسية في مصر بغرض تخفيف الضغط على القوات السورية في الجولان بزيادة العمليات العسكرية في سيناء بناءً على طلب القيادة السورية.
كان هناك اختلاف في وجهات النظر في يومي: 9 و10 أكتوبر حول مواصلة تقدُّم قواتنا في عمق سيناء بعد تحقيق الهدف الإستراتيجي من الحرب، وهو عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف، والتوغل لمسافة نحو 15 كيلو متر شرق القناة، وهي المسافة التي يمكن لحائط صواريخ الدفاع الجوي المصري أن يحمي فيها قواتنا البرية، أما بعدها فتفتقد قواتنا هذا الغطاء الجوي في مواجهة طيران العدو.
كانت الخطة الأساسية تقوم على القيام بوقفة تعبوية بعد تحقيق هذا الهدف الإستراتيجي، والنظر في الخطوة التالية تبعًا لتطورات الأوضاع وأحوال العدو. وقد رأى البعض أن تواصل قواتنا تقدمها في يومي: 9 أو 10 أكتوبر استغلالًا للحالة السيئة والارتباك الشديد الذي كانت عليه قوات العدو، وبالتالي الوصول إلى خط المضايق في عمق سيناء والاستيلاء عليه، ومِن ثَمَّ إجبار العدو إلى تراجع دفاعاته خلفها، بينما رأى أصحاب وجهة النظر الأخرى أنها مغامرة يخشى عواقبها في ظل التفوق الجوي للعدو، والذي يجعل قواتنا البرية وهي خارج غطاء دفاعنا الجوي فريسة سهلة لطيران العدو.
ولكن مع الوصول إلى يوم 14 أكتوبر -أي: بعد خمسة أيام- كانت الأوضاع قد تغيَّرت كثيرًا حتى أمام مَن تبنوا وجهة تطوير الهجوم في 9 أو 10 أكتوبر، فالعدو تمكن مِن تثبيت أوضاعه في الجولان، وبالتالي أصبح متفرغًا للتركيز أكثر والتوسع في التخطيط على الجبهة المصرية، وهو ما تجلَّى بالفعل في التخطيط لإحداث ثغرة في الجيش المصري، كما أن الجسر الجوي الأمريكي لتعويض العدو عن خسائره في الحرب للعدو بدأ وظهرت آثاره في سيناء، حيث دفعت إسرائيل بكل ما لديها من احتياطي بلا تحفظ، وقد تأكدت من موافقة أمريكا على إمدادها بكل ما تحتاجه من سلاح وزيادة.
وبدأت بالفعل في تجهيز وتنفيذ الجسر الجوي والبحري، فكانت المدرعات والمعدات وأحدث الصواريخ والأسلحة الأمريكية تُنقَل إلى قلب ساحة المعارك مباشرة عن طريق ميناء العريش في شمال سيناء، وكان فيها طائرات حديثة ودبابات حديثة بأطقمها من اليهود الأمريكان والمرتزقة الذين توافدوا تباعًا لنجدة وإنقاذ الكيان الصهيوني من هزيمة بدت قريبة وساحقة، ولتعويض كل ما فقدته إسرائيل من معدات وأفراد في أيام القتال السابقة، ولضمان تفوقها في العدد والعدة على القوات المصرية في سيناء؛ كل هذا كان يوجب على الجيش المصري التركيز على النواحي الدفاعية للتصدي لمخططات العدو المنتظرة وعملياته العسكرية الجديدة المتوقعة؛ لا أن يغامر بتطوير الهجوم وبدون غطاء جوي كافٍ على عدو متفوق عليه في العدة والعتاد.
أما أصحاب وجهة النظر الرافضة لتطوير الهجوم، وفي مقدمتهم: الفريق الشاذلي صاحب خطة العبور والحرب؛ فقد كانوا أشد معارضة لقرار التطوير، ولكن لم يكن من تنفيذ قرار القيادة السياسية بد، وكان الفريق الشاذلي وهو يضع خطة الحرب وسيناريوهاتها يخشى تمامًا تخطي وتعدي مسافة الخمسة عشر كيلو متر شرق سيناء التي تكون فيها حماية الدفاع الجوي لقواتنا البرية مفعلة، وقد بنى خطة الحرب كلها على ذلك.
وبناءً على أوامر تطوير الهجوم شرقًا هاجمت القوات المصرية في قطاع الجيش الثالث الميداني في اتجاه السويس بلواءين، هما: اللواء الحادي عشر مشاة ميكانيكي في اتجاه ممر الجدي، واللواء الثالث المدرع في اتجاه ممر متلا. وفي قطاع الجيش الثاني الميداني اتجاه الإسماعيلية هاجمت الفرقة 21 المدرعة في اتجاه منطقة الطاسة، وعلى المحور الشمالي لسيناء هاجم اللواء 15 مدرع في اتجاه رمانة.
خطة الهجوم المصري العاجلة:
ذكر العميد أركان حرب عادل يسري -الحائز على وسام نجمة سيناء من الطبقة الأولى-: "أن الخطة المصرية كانت تركِّز على أن يقوم الجيش الثالث بدفع مفارز -جمع مفروزة: أي مقدمة- قوية من الدبابات والمشاة الميكانيكية من فجر يوم 14 أكتوبر بعد قصفة جوية ضد الأهداف المهمة في سيناء، وبعد تمهيد مدفعي لمدة 15 دقيقة بأكثر من 500 مدفع من أنواع مختلفة، ثم ضربة صواريخ أرض / أرض متوسطة المدى ضد مراكز الإعاقة الإلكترونية، ومراكز القيادة والسيطرة للعدو، ثم يبدأ الهجوم المصري الساعة السادسة النصف صباحًا على النحو التالي:
أ- يدفع الجيش الثالث مفروزتين:
الأولى: بقوة مدرع مدعم بكتيبة مشاة في اتجاه ممر متلا الجبلي، والثانية: بقوة لواء ميكانيكي في اتجاه ممر الجدي الجبلي.
ب- ويدفع الجيش الثاني الفرقة 21 المدرعة -عداء لواء- بقوة لواءين مدرعين في اتجاه الطاسة، واللواء المدرع في اتجه المحور الشمالي" (رحلة الساق المعلقة من رأس العش إلى رأس الكوبري، ط. الهيئة المصرية للكتاب عام 1978 م، ص 241 - 244) .
وكانت الأهداف الرئيسية من هذا القرار، هي:
1- تخفيف الضغط عن سوريا واجتذاب الاحتياطات الإسرائيلية.
2- تدمير جزء كبير من الاحتياطات التعبوية الإسرائيلية.
