قبول الآخر بين القبول والرفض
شريف طه • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فتنظر الثقافة الغربية لمبدأ (قبول الآخر) باعتباره أهم مفاخر منتجاتها القيمية، والثقافية، وتعبِّر مع مجموعة القيم الأخرى عن مضمون الديمقراطية الغربية.
ومع اتساع نطاق (العولمة) سعت القوى الغربية لفرض منظومة قيمها بكل الوسائل والطرق؛ حتى صارت هذه المنظومة قانونًا عالميًّا ملزمًا لكافة الدول؛ بغض النظر عن اختلاف سياقها الثقافي والديني.
تلقف الداخل -المنهزم حضاريًّا تحت وقع الانهزام المادي- المصطلح المصدر، وعمل على تأصيل المفاهيم الغربية الحديثة داخل المرجعية الثقافية والتراثية الإسلامية، لكي يبرهن بذلك على أصالة الدخيل، وأن له جذورًا؛ إما في ديننا وشرعنا، أو -على الأقل- في تراثنا بشكل عام، وهو ما أسماه المفكر المغربي محمد عابد الجابري في إحدى محاضراته بـ(تبيئة المفاهيم الحديثة في ثقافتنا).
وقد وجد "الجابري" ضالته في تجذير التسامح وقبول الآخر، في مفهوم العدل عند المعتزلة، والحرية عند القدرية، ومفهوم الإيمان عند المرجئة؛ باعتبار هذه المفاهيم هي الأسس الفكرية لمفهوم التسامح، ونبذ التعصب، وهي أطروحة غريبة جدًّا تتجاهل حقيقة هذه الفِرَق وتعسفها مع المخالف، بل وتكفيرها له، بل وتتجاهل دلالة هذه المفاهيم والمصطلحات عند هذه الفرق، وأنها لا تعني من قريب أو من بعيد فكرة قبول الآخر عند الغرب.
فالعدل عند المعتزلة يعني نفي القدر؛ أي: نفي إرادة الله -سبحانه وتعالى- وخلقه لأفعال العباد، وإثبات الإرادة المطلقة للعباد، وخلقهم لأفعالهم الاختيارية! وهذا هو ما يسمى بالحرية عند القدرية، وهذا طعن في ربوبية الله سبحانه وتعالى، وفي شمول قدرته وإرادته ونفوذها؛ لأن إرادة العبد ليست مستقلة، بل هي تحت مشيئة الرب، كما أنها ليست ملغاة، بل لها أثر في وجود فعله.
ومفهوم الحرية لا يعني عند المعتزلة أن العبد لا يحاسب على أفعاله، بل يغالون فيكفرونه بارتكاب الكبيرة وإن سموه فاسقًا، لكنهم يعتبرونه في منزلة بين الإيمان والكفر، ويحكمون بخلوده في النار في الآخرة.
وأما الإيمان عند عامة المرجئة: فيشمل التصديق والقول دون العمل، فيخرجون العمل من مسمى الإيمان، والغلاة منهم يقصرونه على المعرفة، وبالتالي فلا أثر لطاعة أو معصية في زيادة الإيمان عندهم.
وهم على النقيض من قول المعتزلة والخوارج في تكفير مرتكب الكبيرة، وزوال الإيمان بالمعاصي والإصرار عليها.
وفي السنوات الأخيرة تجاوزت حالة الدعاية للقِيَم الغربية النُّخَب والمثقفين، الذين شكَّل خطابهم النخبوي حاجزًا بينهم وبين الجماهير؛ لتروج هذه المفاهيم بطريقة شعبوية مبسطة، مستهدفة قطاعات عرضية واسعة من الشباب المسلم، عبر سلسلة من المناشط الثقافية التي تركِّز جل جهودها على ثقافة قبول الآخر بشكل مثير للانتباه، مِن: أفلام وروايات، وكارتون أطفال، ومؤتمرات، وورش عمل؛ كلها عن قبول الآخر!
تحاول كل هذه الفعاليات إيصال فكرة محددة، وهي: أن الإشكالية ليست في الآخر الملحد أو الشاذ، أو فاعل المنكر بشكل عام بقدر ما هي في المجتمع الذي لا يتقبلهم، والواجب حينئذٍ هو تغيير المجتمع لا تغيير المنكر، ولا يقتصر الأمر على دعاة الليبرالية، بل يشاركهم في ذلك بعض الدُّعاة ممَّن يقدمون خطابًا ليبروإسلاميًّا، حتى كتب بعضهم كتابًا يصف فيه إبليس أنه أول مَن رفض الآخر، بخلاف الملائكة التي تقبلت الآخر!
وهو يبيِّن مدى السخف الذي يمكن أن يصل إليه العقل المشبع بالتقليد الأعمى، ومحاولة إنتاج مفاهيم في غير سياقها الموضوعي أو التاريخي؛ فسبب كفر إبليس ولعنه هو: الإباء والاستكبار، وعدم الاستسلام لأمر الله بالسجود لآدم وليس رفض الآخر، والملائكة استجابت لأمر الله الذي كرَّم آدم بأنه خلقه بيده.
النشأة التاريخية للمصطلح:
برز مفهوم التسامح وقبول الآخر في منتصف القرن السادس عشر، أثناء الصراع المشتعل بين الكاثوليك والبروتستانت؛ الذين كان الكاثوليك يكفرونهم، ويرونهم هراطقة خارجين عن الدِّين.
حاولت أوروبا التغلب على صراعاتها المذهبية عن طريق إحياء التسامح وقبول الآخر، وتطور هذا المفهوم عبر مراحل عدة، حتى وصل في زمننا إلى دعوة البابا فرنسيس لقبول الملحد والمثلي!
ورغم كل هذا ظل هذا الآخر مقبولًا شريطة الذوبان في الأنا الغربي. وأما خارجه فظلت النظرة الدونية الاستعلائية من الأوروبي الأبيض لكلِّ مَن سواه باعتبارهم مخلوقات أدنى منه، وظل هذا الأوربي الأبيض لا يرى في الآخر المسلم والعربي إلا مجموعة من البرابرة الهمج، يجب على السيد احتلالهم والتحكم في مقدراتهم.
من الواضح إذًا اختلاف السياق الذي تم فيه إعادة إنتاج المصطلح، فالثقافة الإسلامية لم تعرف عبر تاريخها، اعتبار المخالف في اللون، والجنس، والعرق مكونًا آخر، وتعاليم الإسلام واضحة في نفي الأفضلية إلا بالتقوى.
والملاحظ: أن الغرب لم يستطع حتى الآن، التغلب على موجات رفض الآخر في داخل مجتمعاتهم، وليس أدل على ذلك من تنامي شعبية التيارات اليمينية المتطرفة، وصعود أحزابها بشكل كبير في أكثر الدول الغربية؛ كل ما سبق لا يعني رفض المفهوم لمجرد كونه دخيلًا، ولكن يبقى الإشكال دومًا: أيهما يكون معيارًا يحاكَمُ إليه؟
هل نحاكم الشرع وَفْق معيارية قبول الآخر فنرد أو نتأول ما يخالف المعيار المخترع؟ أم نجعل الشرع حاكمًا على كلِّ الثقافات، والمفاهيم، والفلسفات الوافدة مهما كانت سطوتها؟
هذا ما يحتم علينا أن نضع بعض المحددات التي من خلالها ننظر: مَن هو الآخر؟ وما معنى قبوله؟ ومدى توافق أو تصادم المفهوم مع الشريعة.
أولًا: قبول الآخر والنسبية:
اكتوت أوروبا عبر تاريخها بالحروب المذهبية والدينية، وقد كرست هذه الخلفية ثنائيات كثيرة في البنية المعرفية الغربية، وما يهمنا في موضوعنا: ثنائية المطلق والتعصب، والنسبي وقبول الآخر؛ فادعاء احتكار الحقيقة المطلقة في الدين سيؤدي للتعصب ضد المخالف، ورفض وجوده، والحل -من وجهة النظر الغربية - يكمن في الإيمان النِّسبي ورفض المطلق.
