شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

قبول الآخر بين القبول والرفض

شريف طه • قضايا معاصرة

وقد وصل الغلو في رفض المطلق لدرجة أن يرفض بعض المثقفين الليبراليين كلمة التسامح؛ لأنها -بزعمه- تنطوي على موقف استعلاء "حيث يوجد المتسامح في مستوى أعلى والمتسامح معه في مستوى أسفل!".

ولا توجد هذه الثنائية في الثقافة الإسلامية، فالمسلمون الذين يعتقدون اعتقادًا مطلقًا بصحة دين الإسلام، وبطلان ما سواه، شهد لهم خصومهم أنهم كانوا في غاية التسامح مع غير المسلمين، وهي شهادات مشهورة.

وأما اللون والجنس والعرق فلم يعتبره المسلمون من المكون (الأنوي)، ومِن ثَمَّ فلا آخر من الأساس، بل هو نفس المؤمن، كما التعبير القرآني الفريد في أكثر من موضع ( وَلا تَلمِزوا أَنفُسَكُم ) (الحجرات: ??) ، وقوله -تعالى-: ( وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) (النساء:??) .

ثانيًا: الولاء والبراء والتسامح:

يخلط البعض بين هذين المقامين؛ سواء من الإسلاميين أو الليبراليين، فالولاء والبراء أصل مجاله العقائد التي لا مجال للمداهنة فيها، بخلاف التسامح فإن مجاله المعاملة، والله -تعالى- الذي قال: ( لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) (الممتحنة:8) ، هو -سبحانه- الذي قال: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) (المائدة:51) .

وغيرها من الآيات الكثيرة جدًّا، ولا تعارض؛ فمعاني الولاء تدور حول المودة القلبية، والرضا بدينه، وتصحيح دينهم، والنصرة لهم على ذلك، وطاعتهم فيما يأمرون به من الكفر والصد عن سبيل الله، والتشبه بهم في عباداتهم وعاداتهم الخاصة المميزة لهم، ونحو ذلك من المعاني التي تدور حول ما ذكرنا.

وأما البر والإقساط فيتعلق بأمور المعاملات التي تؤدي للتعايش السلمي: كالبيع والشراء، والإجارة، وكذلك شرع لمصلحة التأليف على الإسلام: الإهداء إليه وقبول هديته، وزيارة مريضه، وتعزيته، ونحوها من مظاهر المعاملات التي تحقق التعايش بين أبناء الوطن الواحد وإن اختلفت أديانهم، بل ذهب الإسلام لما هو أبعد من كلِّ هذا، فأحل -بضوابط شرعية- زواج المسلم من الكتابية العفيفة، وهي أرقى صور التعايش السلمي، وقد تحقق التعايش السلمي واقعًا حيًّا في المدينة لما هاجر إليها النبي -صلى الله عليه وسلم- وقت أن كان العالم لا يعرف شيئًا عن هذه المعاني.

ثالثًا: النهي عن المنكر الصادر من الآخر:

النهي عن المُنكَر مما لا يروق لدعاة "قبول الآخر"، وهو يمثِّل إشكالية ضخمة بالنسبة لهم، فقطعيته من الدِّين لا تحتمل عبثًا اعتادوه باسم التأويل والتفسير، وهو في أدنى صوره (الإنكار بالقلب) يتصادم مع أدنى درجة في قبول الآخر، وهو التقبل لحقه فيما يعتقد أو يعمل، فضلًا عن الإنكار باللسان الذي يعتبره البعض وصاية مرفوضة، فضلًا عن التغيير باليد -ولو من الدولة- الذي يعتبره البعض تدخلًا في الحرية الشخصية.

فالشرع قد أوضح بشكل قاطع أن ما يسمونه الآخر (تخففًا في اللفظ) والذي يخالف دين الإسلام وشريعته، اسمه في الشرع منكر ومرتكبه مرتكب لمنكر وأعظمه الشرك بالله، ثم البدع، ثم الكبائر والفواحش، ثم سائر المعاصي والذنوب، وهذه كلها يجب إنكارها؛ أولًا: حماية للمجتمع الذي حقه مقدَّم في أن نقيه من هذه المنكرات وفي منع نزول العقاب العام به. ثم ثانيًا: هو حماية للأفراد الذين يرتكبون المنكر؛ لأن المنكر يضر بهم وبذويهم وأقاربهم، فمقتضى النصيحة لهم أن ننصرهم على أنفسهم بمنعهم من المنكرات، وأن نسعى في نجاتهم من عذاب الآخرة، وأن ندلهم على طريق السعادة في الدنيا والآخرة في العمل بطاعة الله -سبحانه وتعالى-.

وهذه الوصاية لصاحب المعروف على مرتكب المنكر أمر يقره العقلاء، فضلًا عن خطاب الشرع؛ إذ لو ترك صاحب المنكر يفعل ما يشاء بدعوى أن هذا حق له لكان له أن يرتكب الجرائم من القتل والاغتصاب والسرقة، وهي أمور ينكرها- حتى الآن- الجميع ويضعون العقوبات لها في القوانين، وما هذا إلا لإقرارهم بخطورتها على المجتمع، وكذلك كل ما عده الشرع منكرًا ففيه ضرر على صاحبه وعلى للمجتمع.

والحرية الشخصية تقبل التقييد عند الجميع بما يخالف أعراف المجتمع وقيمه، وهي عند المسلمين مقيدة بحدود الشريعة التي تدعو إلى الخضوع والاستسلام لله رب العالمين.

ومما يجب التنويه له: أن هذه الشعيرة العظيمة قد وَضَع لها الفقهاء ضوابط كثيرة؛ لما لها من خصوصية في احتمال تحولها إلى أداة فتنة إذا خرجت عن هذه الضوابط، فيصير الإنكار في ذاته منكرًا يجب النهي عنه، ولا تحمل تبعاته للشريعة.

رابعًا: الحرية الدينية وحد الردة:

منح الإسلام حق الاختيار في الدنيا، وعدم الإكراه في الدين ( لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) (البقرة:???) ، مع الدعوة إلى الرشد وبيان أنه لا مساواة بينه وبين الضلال والغي ( ‌قَدْ ‌تَبَيَّنَ ‌الرُّشْدُ ‌مِنَ ‌الْغَيِّ ) (البقرة: 256) ، مع شرط ألا يمنع من نشر دين الإسلام في الناس، وأن لا يحول بينهم وبين الإيمان وإلا كان طاغوتًا؛ فليس من حق أحد أن يحول بين الناس وبين دين الله.

وطبَّق المسلمون هذا في واقعهم عبر التاريخ؛ فلم يكرهوا اليهود ولا النصارى ولا غيرهم على تغيير دينهم، ولا يستثنى من هذا إلا حالة واحدة، وهي "حالة الردة" التي جاء فيها الحديث الصحيح: ( مَنْ ‌بَدَّلَ ‌دِينَهُ ‌فَاقْتُلُوهُ ) (رواه البخاري) ، التي يظهرها صاحبها ويفشيها في المجتمع، وهو ما يماثل "الخيانة العظمى" في الدولة الوطنية؛ فالأمر لا يتعلَّق بحريته وحق اختياره للدِّين، بقدر ما يتعلق بالحفاظ على المجتمع من البلبلة؛ وإلا فما المانع إذا فتح الباب على مصراعيه أن يدعي قوم الإسلام كذبًا ثم يخرجون منه بدعوى لم نقتنع؟!

الصفحة السابقة الصفحة التالية