شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

حرب العاشر من رمضان السادس - من أكتوبر كأنك تراها (12)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

معركة المزرعة الصينية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فبعد مضي نصف قرن هجري من الزمان على حرب العاشر من رمضان 1393 إلى رمضان 1443 هـ - السادس من أكتوبر، رَحَل -أو يكاد- مَن حضروا هذه الحرب أو عاصروها؛ فلزم علينا أن نذكِّر الأجيال الجديدة بهذه الحرب المجيدة، وما قدَّم المصريون فيها مِن تضحياتٍ، وما بذلوه من جدٍّ واجتهاد في قوة تحمُّل وصبر، وإخلاص وصدق حقَّقوا به مجدًا كبيرًا في ظروف أسوأ وأصعب بكثيرٍ مِن الظروف التي نعاني منها حاليًا؛ إنها روح العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر التي نفتقدها الآن، ونحن أحوج ما نكون إليها.

معركة المزرعة الصينية: من أعنف معارك الدبابات في حرب العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر؛ بدأت الاشتباكات بين الطرفين فعليًّا في ليلة 19/ 20 رمضان التي توافق ليلة 15/ 16 أكتوبر، واستمرت لمدة ثلاثة أيام متتالية.

المزرعة الصينية هي مشروع مزرعة تجريبية أنشأتها الدولة المصرية في الخمسينيات وعمل بها بعض الخبراء اليابانيين في منطقة الدفرسوار شرق الإسماعيلية، تقع بين البحيرات المرة الكبرى ومدينة الإسماعيلية، وقد بنيت إلى جوارها قرية الجلاء عام 1966 م لتعمير سيناء، فلما استولى الإسرائيليون في يونيو 1967 م على المنطقة ورأوا الكتابة اليابانية على بعض عنابر وجدران المزرعة، ظنوا أنها كتابة باللغة الصينية فأطلقوا عليها المزرعة الصينية.

ومع بداية حرب 1973م عبرت الكتيبة 16 بقيادة المقدم محمد حسين طنطاوي قناة السويس، فاستولت عليها في زمن قياسي أقل من الزمن المتوقع لاستيلاء عليها، ورفعت عليها العَلَم المصري. وبعدها بدأت الكتيبة في التقدم باتجاه شرق القناة للاستيلاء على رأس الكوبري النهائي والتصدي للهجمات الإسرائيلية المضادة، فخاضت معارك حامية الوطيس، حيث تولَّى المقدم حسين طنطاوي بنجاح وضع الخطط والتعامل مع التطورات السريعة في ميدان القتال في مواجهة تحركات العدو ومفاجآته، واستطاعت الكتيبة تحقيق هدفها، كما قامت بعزل وحصار النقطة الأكثر تحصينا في منطقة الدفرسوار، وتقدمت شرقًا داخل أراض سيناء.

كانت القيادة العسكرية الإسرائيلية قد قررت -لإنقاذ موقفها السيئ في الحرب واستعادة سمعتها وهيبتها- أن تقوم بتطبيق خطة حرب قديمة وضعها شارون تعرف عندهم باسم: (الغزالة) بعد تطويرها، حيث تقوم فيها بالضغط بأقصى قوة على ممر ضيق في أحد أجناب الجيش المقابل لإحداث ثغرة فيه تمر قواتها من خلالها إلى خلف خطوط العدو وتلتف حوله، وهي خطة معروفة سبق لقواتنا رصد تدرب القوات الإسرائيلية عليها في بحيرة طبرية في عام 1968م تحسبًا لاحتياج الجيش الإسرائيلي لعبور قناة السويس يومًا ما.

وقد توقع قادة الجيش المصري أنه لو تمت مثل هذه العملية في يوم ما؛ فإنها ستكون عند أضيق نقطة في ممر قناة السويس، أي: إما في منطقة الفردان أو منطقة الدفرسوار؛ لأنهما أضيق منطقتين لعبور القناة، ونظرًا لعدم صلاحية منطقة الفردان لتنفيذ هذا العبور، فالأغلب أن تكون هذه العملية عند منطقة الدفرسوار.

عَلِم العدو الإسرائيلي بحدوث تحرك لقوات مصرية من القوات الاحتياطية غرب القناة إلى الضفة الشرقية، بما يخل بالتوازن العسكري المصري شرق وغرب القناة، وعلم أيضًا بوجود فجوة بين الجيشين الثاني الميداني والثالث الميداني، وهذا الوضع يسهل من مهمة أي قوات إسرائيلية تعبر القناة في الانتشار خلف الجيش المصري، وقد تلقت القيادة العسكرية الإسرائيلية هذه المعلومات العسكرية الخطيرة من خلال التقارير الاستخباراتية التي سلمتها لها أمريكا بعد عملية استطلاع واسعة قامت بها في يوم 13 أكتوبر بطائرة تجسس أمريكية اخترقت المجال الجوي المصري بطول الجبهة، وفي عمق الدلتا على ارتفاع هائل (بلغ 27 كم) وبسرعة عالية بلغت 3 أضعاف سرعة الصوت مما يستحيل معه على الدفاع الجوي المصري التصدي لها.

وعليه وبعد نجاح العدو الإسرائيلي في صدِّ تطوير الهجوم المصري في 14 أكتوبر، ورغم خسائر العدو الفادحة في صد هذا الهجوم؛ فقد سارع في يوم 15 أكتوبر إلى تنفيذ عملية الغزالة بعد تطويرها وتسميتها باسم: (عملية القلب الشجاع)؛ إذ هي الأمل الوحيد والأخير في نظر قادة العدو لتغيير أوضاع الحرب قبل صدور وتنفيذ أي قرار متوقع من مجلس الأمن بوقف إطلاق النار.

إسقاط طائرتي استطلاع إسرائيلية:

حاول العدو في يوم 14 أكتوبر القيام بأهم وأخطر عملية استطلاع جوية له خلال حرب أكتوبر كلها بواسطة طائرتين فانتوم، وترجع أهميتها أنها موجَّهة للعمق المصري في الدلتا إلى جانب جبهة القتال، وترجع خطورتها إلى أنها مجازفة ونسبة نجاحها ضئيلة! حيث اقتربت طائرتا فانتوم على ارتفاع 16 كم، واخترقتا مجالنا الجوي جنوب بورسعيد متجهتان نحو مطار الصالحية، وقد تحاشتا الدخول في مجال الصواريخ المصرية، واتخذتا مسارًا ييسر لهما استطلاع جميع مطارات الجمهورية في الدلتا وحولها، الصالحية وأبو حماد وبلبيس وأنشاص، ومطارات القاهرة وطنطا ثم المنصورة، بعدها حاولتا الاتجاه شرق القناة عائدتين إلى قاعدتهما، بعد مدة طيران استغرقت أكثر من نصف ساعة ولم تتمكَّن الصواريخ ولا المقاتلات في جميع المناطق التعامل معهما، ولكن حائط الصواريخ تمكَّن بأسلوبه المتميز ودهائه من الاشتباك معهما وتدميرها، وقد شوهدتا الطائرتان وهما تحترقان وتنفجران في الجو في لحظات، وبالتالي حرمان العدو من المعلومات التي جازف للحصول عليها؛ فكانتا صيدًا ثمينًا بثمن زهيد؛ فقد تم تدميرهما بثلاثة صواريخ ثمنهم 60 ألف جنيه (راجع كتاب: حائط الصواريخ في أكتوبر 1973 - حرب رمضان 1393، تأليف اللواء ركان حرب / محمد سعيد علي - ط . الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط. 2014 م، ص 330 - 332) .

الهجوم على الدفرسوار:

الصفحة التالية