شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

حرب العاشر من رمضان السادس - من أكتوبر كأنك تراها (12)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

كانت الخطة الإسرائيلية مبنية على إحداث ثغرة في منطقة الدفرسوار لمرور قوات إسرائيلية إلى غرب القناة، وكان اتجاه الهجوم الإسرائيلي يستهدف الجانب الأيمن للجيش الثاني الميداني في قطاع الفرقة 16، وبالتحديد في اتجاه محور الطاسة والدفرسوار ومنطقة تمركز الكتيبة 18 عند قرية الجلاء؛ إذ كان عبور القوات الإسرائيلية للقناة من جهة الدفرسوار يستوجب تأمين المنطقة بأن تكون منطقة شمال الدفرسوار خالية تمامًا من أي قوات مصرية إلى مسافة خمسة كيلو متر؛ لتأمين المعبر الذي سيقيمه العدو في المنطقة.

بدأت أحداث المعركة من نهار يوم 15 أكتوبر، وطبقًا للخطة الموضوعة بدأ العدو بتوجيه طيرانه ضربات جوية مركزة طوال اليوم حتى غروب الشمس على مقر الكتيبة 18، وعلى القوات المصرية الموجودة بالمنطقة، فأحدث الضرب إصابات بالغة بالمنطقة، ولكن مع استخدام التمويه والخداع الجيد لم يصب خلال هذه الضربات المركزة الطويلة سوى ثلاثة جنود مصريين فقط؛ فقد كانت القوات المصرية في ضوء المعلومات ترصد تحركات قوات العدو وطيرانه فتقوم بنقل القوات بعيدًا عن مناطق الضرب والقصف، ولا تعيدها إلى مواقعها إلا بعد ورود معلومات تفيد بتحرك الدبابات والمدرعات الإسرائيلية تجاه الموقع، والتي تكون عادة بعد رصد طائرات استطلاع إسرائيلية تقوم بتصوير الموقع قبل الهجوم المتوقع عليه، فيتم بذلك تفادي الآثار الخطيرة للقصف الجوي للعدو.

في الساعة الثامنة إلا ربع مساء من نفس اليوم تم رصد تحرك أعداد كبيرة من دبابات العدو قادمة من اتجاه منطقة الطاسة للهجوم على القوات المصرية المتمركزة في المنطقة، وفي الساعة الثامنة والنصف مساءً، بدأ هجوم إسرائيلي موسَّع مكوَّن من أربع كتائب مدرعة وكتيبة استطلاع مدرعة، وثلاث كتائب مشاة ميكانيكي على الكتيبة 18 الموجودة بالمنطقة، فنجحت الدبابات المصرية المخندقة مع الأسلحة المضادة للدبابات في التصدي لدبابات العدو، وتم اختيار مجموعة قنص من السرايا، وفصيلة خاصة من حاملي (أر بي جي) والدفع بهم إلى الجانب الأيمن حيث قامت بالاشتباك مع العدو في قتال متلاحم على شكل حرب عصابات طوال الليل حتى الصباح، وتم تدمير عشرات الدبابات للعدو؛ مما آثار الرعب في نفوس القوات الإسرائيلية المهاجمة.

ورغم بسالة القوات المصرية وفداحة الخسائر كان إصرار العدو على نجاح الهجوم وتنفيذ خطة عبور القناة مهما كان الثمن؛ لذا دفع العدو في الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل بالمزيد من قواته وامتد هجوم العدو إلى الكتيبة 16 التي تساند الكتيبة 18، ولاستدراج القوات الإسرائيلية المهاجمة واصطيادها، أمر المقدم حسين طنطاوي قائد الكتيبة 16 قواته المستعدة بكافة أسلحتها للتصدي للهجوم بحبس النيران لأطول مدة ممكنة في انتظار وصول قوات العدو لمرمى النيران، وعند الوصول للنقطة الحاسمة تم فتح النيران بجميع أسلحة الكتيبة 16 باتجاه القوات المهاجمة، واستمر القتال العنيف في معركة استمرت حتى بزوغ الفجر، ومع دخول الصباح سحب العدو القتلى والمصابين، وبقيت دباباته ومدرعاته المدمرة تتصاعد منها أعمدة الدخان طوال اليوم التالي.

وقد كتب موشى ديان وزير الدفاع الإسرائيلي في مذكراته بعد زيارته للمنطقة بعد انتهاء المعركة تعقيبًا على ما رآه مِن آثار المعركة وفداحة الخسائر الإسرائيلية فيها: (لم أستطع إخفاء مشاعري عند مشاهدتي لها، فقد كانت مئات من العربات العسكرية المهشمة والمحترقة متناثرة في كلِّ مكان، وبعضها ما يزال يتصاعد منها الدخان).

وقال: (كانت هناك دبابات إسرائيلية ودبابات مصرية لا يبعد بعضها عن بعض سوى بضع ياردات، وكانت هناك أيضًا عربات نقل إمدادات مهجورة، فاجأتها الغارة الجوية وقذائف المدفعية، ومع اقترابنا من كل دبابة كان الأمل يراودني ألا أجد علامة الجيش الإسرائيلي عليها، وانقبض قلبي فقد كان الكثير من الدبابات الإسرائيلية).

وقال أيضا: (مع أن مناظر الحرب أو المعركة لم تكن غريبة بالنسبة لي، فإنني لم أشاهد على الإطلاق مثل ذلك المنظر؛ لا على الطبيعة، ولا في اللوحات، ولا في أفظع أفلام السينما الحربية؛ لقد كان أمامنا ميدان واسع شاسع لمذبحة أليمة، يمتد إلى أبعد ما تستطيع العين الوصول إليه!).

وأضاف: (كانت الدبابات والعربات المدرعة والمدافع، وعربات الذخيرة المعطلة والمقلوبة والمحطمة دليلًا مروعًا على المعركة الرهيبة التي دارت هنا).

وقال ديان: (لقد طلبت مقابلة الكولونيل عوزي مائير قائد قوات المظلات الإسرائيلية الذي حارب معركة المزرعة الصينية في ظروف صعبة، ووجدته مرهقًا، ولم أكن أتصور أن أراه على هذه الحالة من الاكتئاب)، (ولقد تحدثنا عن المعركة وحاول الجنرال بارليف الذي كان يرافقني أن يهدئ من حالته، لكنه رد بحِدَّة، وقال: لقد تسرعتم في تكليفي بهذه المهمة، لقد خسرت 70 رجلًا من أفضل رجالي، وضِعْفهم من المصابين الذين تم إخلاؤهم).

سير المعركة:

ذكر العميد أركان حرب عادل يسري في كتابه (رحلة الساق المعلقة) أن العدو زاد حشد قوته في سيناء (ودفع خلال ليلة 14 / 15 أكتوبر على المحور الأوسط إلى منطقة الطاسة اللواء المدرع 421 ولواء مظلات محمول على عربات مدرعة برمائية م 113.

أتم العدو استعواض خسائره من المعدات والذخائر خلال يوم 15 أكتوبر، وقام بأعمال صيانة وإصلاح لمعداته بعد المعركة الرهيبة للدبابات، وبدأ في تجميع قواته، ودفع خلال يوم 15 أكتوبر بعض معدات العبور (أي: عبور قناة السويس) على المحور الأوسط. وركَّز العدو هجماته المضادة اعتبارًا من صباح اليوم على الجانب الأيمن للفرقة 16 المشاة المصرية شرق القناة، وأعاد احتلال نقطته القوية (تل سلام) التي كان قد هجرها، ثم احتل النقطتين القويتين في الدفرسوار شرق القناة والتي دمرتهما قواتنا قبل إخلائهما).

وتمت الهجمات كالتالي:

- هاجمت كتيبةَ دبابات إسرائيلية (أكثر من ثلاثين دبابة) كتيبةُ مشاة بقيادة أحمد إسماعيل، الذي ظلَّ يصد هجمات مضادة متلاحقة لمدة 9 أيام متتالية، وقد صد الهجوم المضاد بعد أن دمر للعدو أكثر من 10 دبابات.

الصفحة السابقة الصفحة التالية