شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

حرب العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر كأنك تراها (13)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

ثغرة الدفرسوار

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فبعد مضي نصف قرن هجري من الزمان على حرب العاشر من رمضان 1393 إلى رمضان 1443 هـ - السادس من أكتوبر، رَحَل -أو يكاد- مَن حضروا هذه الحرب أو عاصروها؛ فلزم علينا أن نذكِّر الأجيال الجديدة بهذه الحرب المجيدة، وما قدَّم المصريون فيها مِن تضحياتٍ، وما بذلوه من جدٍّ واجتهاد في قوة تحمُّل وصبر، وإخلاص وصدق حقَّقوا به مجدًا كبيرًا في ظروف أسوأ وأصعب بكثيرٍ مِن الظروف التي نعاني منها حاليًا؛ إنها روح العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر التي نفتقدها الآن، ونحن أحوج ما نكون إليها.

عانى العدو الإسرائيلي من وضع سيئ للغاية بعد نجاح الجيش المصري في عبور قناة السويس، وتحطيمه لخط بارليف، والتوغل داخل سيناء لعدة كيلو مترات، ثم التصدي بنجاح للهجوم المضاد الكبير بعد أن استكمل الجيش الإسرائيلي تعبئة الاحتياطي.

وبات واضحًا عدم قدرة الجيش الإسرائيلي -وهو كامل- على إعادة الجيش المصري إلى غرب القناة، وكان على العدو الإسرائيلي أن يحقق أي نصر ولو جزئيًّا يغيِّر شيئًا من موازين القوى، يمكن معه تحسين الصورة أمام الشعب الإسرائيلي، وإعطاء قدر من القدرة على الضغط حال الدخول في أي مباحثات قادمة تعقب وقف إطلاق النار المتوقع فرضه من الدول الكبار في مجلس الأمن، وهو القرار الذي لن تستطيع أمريكا أن تؤخر صدوره طويلًا.

فكانت فكرة تنفيذ خطة عملية عسكرية قديمة تسمَّى: (الغزالة)، تقوم على تركيز هجوم قوي على أحد أجناب الجيش المقابل؛ لإحداث ممر يسمح بعبور قوات إلى خلف الجيش المقابل والالتفاف من خلفه وضربه من ورائه، وهي الخطة التي تحمَّس لها الجنرال شارون كأمل أخير لإنقاذ الجيش الإسرائيلي وعبور قوات إسرائيلية للقناة لتقوم بتدمير ما يمكن تدميره من قواعد حائط الصواريخ المصرية غرب القناة، لاستعادة القوات الجوية الإسرائيلية تفوقها ولو بصورة جزئية، واحتلال مدينة الإسماعيلية، بما يعطي للجيش الإسرائيلي تفوقًا ولو جزئيًّا يكون ورقة تصلح لإجبار مصر على التفاوض، والتراجع عن التمسك بما حررته من أرض سيناء، ولكن كان القيام بهذه العملية مجازفة كبيرة؛ نظرًا لقوة دفاع الجيش المصري شرق القناة، ولوجود قوات مصرية متمركزة كاحتياطي إستراتيجي غرب القناة، وهي قوات يمكنها بسهولة القضاء على أي قوات إسرائيلية تعبر القناة، ويمكنها وأد أي عملية إبرار بالمظلات تتم لأي قوات إسرائيلية غرب القناة.

وكان هذا كافٍ لتردد القيادات الإسرائيلية في القيام بهذه العملية رغم الحاجة الشديدة إليها، لكن كان لتطور الأحداث دور كبير في الإقدام على القيام بهذه العملية؛ فوصول الإمدادات العسكرية الأمريكية الكبيرة عبر الجسر الأمريكي الجوي والبحري بداية من الثالث عشر من أكتوبر، ونزول هذه الإمدادات من ميناء العريش إلى أرض المعركة مباشرة، والذي عوض في وقت قصير الجيش الإسرائيلي عن كلِّ ما خسره وفقده خلال أيام الحرب الأولى من الطائرات والدبابات، ويضمن للجيش الإسرائيلي التفوق العسكري الكبير على الجيش المصري من جديد، خاصة مع تزويد الجيش الإسرائيلي بأحدث ما لدى أمريكا وحلف شمال الأطلنطي من صواريخ متطورة ومدفعية متقدمة، ثم كان تحرك فرقتين مصريتين من القوات الاحتياطية غرب القناة إلى شرق القناة لدعم تطوير الهجوم المصري تجاه المضايق يوم 14 أكتوبر، والذي أخل بالتوازن العسكري للجيش المصري، وقلل من مخاطر ما بعد عبور القوات الإسرائيلية وتوغلها غرب القناة.

وجاء رصد طائرة التجسس الأمريكية لوجود فاصل وثغرة بين الجيشين الثاني والثالث المصريين غرب القناة وإبلاغ القيادات الإسرائيلية بذلك؛ ليزيد من التطلع لتنفيذ هذه العملية كحل وحيد لإنقاذ إسرائيل مما وصلت إليه وإحداث تغيير في موازين القوى من جديد.

وعليه قام الجيش الإسرائيلي لإحداث ثغرة في القوات المصرية عند منطقة الدفرسوار وتأمينها لعبور قوات إسرائيلية القناة بتركيز هجوم قوي على الكتيبة 16 المصرية غرب القناة لإجلائها عن مواقعها في المنطقة، وخلال الانشغال بالمعارك الشديدة مع العدو في هذه المنطقة تمكَّنت بالفعل قوة إسرائيلية صغيرة من العبور لغرب القناة، وفتح طريق لعبور وانتشار قوات إسرائيلية أخرى غرب القناة، وتدميرها لبعض قواعد صواريخ الدفاع الجوي المصري غرب القناة، وتهديد مدينة الإسماعيلية، بل ومحاولة احتلالها.

كيف بدأت الثغرة؟

- في مساء يوم 15 أكتوبر وتحت ستر أعمال القتال بين القوات الإسرائيلية مع الفرقة 16 المشاة مساء عبرت تحت جنح الظلام مجموعة قتال إسرائيلية صغيرة قناة السويس في منطقة شمال البحيرات المرة.

- وكان في الليلة السابقة للتسلل قد تم الدفع بمجموعات استطلاع في قوارب مطاطية.

- تم إبرار سريتي مظلات محملة على طائرات هليكوبتر ليلة 15 / 16 أكتوبر.

- تم عبور سرية مظلات محملة على عربات مدرعة برمائية م 113 عند اتصال البحيرات المرة مع قناة السويس، ثم عبور 5 دبابات من اللواء 421 المدرع الإسرائيلي.

- تبدأ مجموعة التسلل الإسرائيلية في مهاجمة بعض قواعد الصواريخ أرض / جو مع أول ضوء يوم 16 أكتوبر لفتح ثغرة في دفاعنا الجوي، كما تهاجم القواعد الإدارية لإرباك الخطوط الخلفية لقواتنا، ساعدها في ذلك قلة كثافة الدفاع في المنطقة.

- وتحت ستر الأعمال القتالية شرق القناة تبدأ طلائع مجموعة العمليات رقم 45 بقيادة أريل شارون والمكونة من 3 لواءات مدرعة، أرقام: 14، 600 ،421، معها اللواء المظلي المحمول على عربات م 113 في عبور القناة خلف مجموعة التسلل على معديات حاملات دبابات برمائية ثم على كباري للعبور أمكن للمهندسين الإسرائيليين أقامتها اعتبارًا من ليلة 16/ 17 أكتوبر، ويستمر عبور تلك القوات لعدة ليال (راجع في ذلك: "رحلة الساق المعلقة"، ص 248-252) .

- يتمكَّن العدو يوم 18 أكتوبر من إقامة كوبري في منطقة الدفرسوار، تتم عليه عمليات الإمداد بالاحتياطات والذخيرة، وفي نفس اليوم يتم عبور اللواء 217 المدرع الإسرائيلي الذي عمل في منطقة فايد غرب القناة.

أسباب نجاح تسلل القوات الإسرائيلية غرب القناة:

الصفحة التالية