شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

حرب العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر كأنك تراها (14)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

وحوَّل العدو بعد فشله في الاستيلاء على الإسماعيلية جهوده جنوبًا -رغم قرار وقف إطلاق النار- للاستيلاء على السويس بعد أن أثبتت معركة الإسماعيلية التفوق الكبير لقوات الصاعقة والمظليين المصريين على سلاح المدرعات الإسرائيلي، وقد أقيم بعد نهاية الحرب نصب تذكاري شرق قناة السويس أمام المنطقة رقم 6 تخليدًا لمعركة الإسماعيلية، كما أنشأ متحف حربي في قرية (أبو عطوة) يقع على بعد 3 كيلو متر من مدينة الإسماعيلية.

معركة السويس:

هي آخر معركة كبرى في حرب أكتوبر، حاول فيها العدو الاستيلاء على مدينة السويس بعد فشله في احتلال الإسماعيلية لتكون السويس ورقته الرابحة للمساومة في المباحثات المتوقعة بعد وقف إطلاق النار، وكذلك لقطع الإمدادات عن الجيش الميداني الثالث شرق القناة وحصاره.

ورغم صدور قرار مجلس الأمن رقم 338 بوقف إطلاق النار في 22 أكتوبر وموافقة إسرائيل عليه، فقد واصلت القوات الإسرائيلية تحركاتها غرب القناة متوجهة جنوبًا تجاه السويس، وأمام اعتراض مصر على انتهاك العدو للقرار، صدر يوم 23 أكتوبر القرار رقم 339 بتأكيد وقف إطلاق النار وعودة القوات المتحاربة إلى الخط الذي كانت عليه يوم 22 أكتوبر مع إرسال مراقبين دوليين إلى جبهة القتال للفصل بين الطرفين، وقد وافقت إسرائيل على هذا القرار، ولكنها كالعادة لم تلتزم به، بل سارعت لتحقيق أكبر قدرٍ من المكاسب قبل وصول قوات الطوارئ الدولية؛ فقد كان إعلان إسرائيل لقبولها لوقف إطلاق النار في المرتين ستارًا خادعًا لتقوم من ورائه بعملياتها القتالية المستمرة!

كانت قوات العدو بقيادة إبراهام آدان، ويوسي يوفي مكوَّنة من: لواء مدرع، وكتيبة من المظليين، قد انتشرت في جيب طويل يمتد من جنوب ترعة الإسماعيلية إلى ميناء الأدبية جنوب السويس، بل والوصول شمالًا إلى طريق القاهرة السويس عند علامة الكيلو 101، مع السعي للقضاء على بقايا القوات المصرية التي حاولت تعطيل انتشار قوات العدو، بما يعني منع أي تدخل مصري من جهة غرب السويس وتأمين غرب قوات العدو.

وقد سعى العدو إلى حصار السويس حصارًا كاملًا؛ فقام بقطع طريق السويس القاهرة من جهة الغرب، وقطع الطريقين الموصلين إلى الإسماعيلية من جهة الشمال، وهما: طريق القناة، وطريق المعاهدة، وقطع الطريق البري الذي يربط السويس بميناء الأدبية وخليج السويس من جهة الجنوب، كما قام العدو كذلك بقطع ترعة السويس المتفرعة من ترعة الإسماعيلية، والتي تمد السويس بالمياه العذبة، وقام بتدمير شبكة الضغط العالي التي تحمل التيار الكهربي من القاهرة إلى السويس، كما قطع أسلاك الهاتف التي تربط المدينة بالعالم الخارجي.

ولعزل السويس بحريًّا وصلت قطع بحرية إسرائيلية صباح 24 أكتوبر إلى ميناء الأدبية لقطع الطريق البحري بين السويس وخليج السويس والبحر الأحمر، كما تم تطويق الجيش الثالث الميداني في سيناء شرق القناة بقوتين من قوات (آدان) و(ماجن)، وكان الجيش الثالث يتكون من: الفرقتين 7 مشاة و19 مشاة و250 دبابة، ويبلغ عدد أفراده نحو أربعين ألف ضابط وجندي يتم إمدادهم وتموينهم عن طريق السويس التي باتت تحت الحصار الشديد، وقد كانت كل هذه المناطق المحاصرة خارج نطاق عمل شبكة صواريخ الدفاع الجوي بما جعلها عرضة باستمرار وبلا توقف لهجمات العدو الجوية العنيفة، وزاد الأمر سوءًا: أنه لم تكن هناك قوات كافية للقيام بأي هجوم مضاد لفكِّ هذا الحصار المحكم.

وطوال المدة من 24 أكتوبر إلى 27 أكتوبر لم تتوقف قوات العدو عن الانتشار في أكبر مساحة غرب القناة والإعداد لاقتحام السويس وحصار الجيش الميداني الثالث؛ لدفعه إلى التسليم لإجهاض الانتصار الكاسح للمصريين في الحرب.

وقد جَرَّأ العدو على القيام بذلك: الجسر الجوي والبحري الذي أقامته أمريكا لإمداد إسرائيل بكلِّ ما تحتاجه من أحدث الأسلحة، وتعويضها كل ما خسرته خلال الحرب من معدات ومدرعات، وكذلك ما التزمت به أمريكا في اجتماعات مجلس الأمن من حماية أمن وسلامة إسرائيل.

وفي المقابل: كانت السويس في وضع سيئ للغاية؛ فقد تم تهجير سكانها وهم نحو ربع مليون مواطن إلى باقي محافظات مصر بعد هزيمة 1967 م، ولم يبقَ في المدينة إلا نحو 5 ألاف فرد معظمهم من الجهاز الحكومي، ومن موظفي وعمال شركات البترول والسماد بمنطقة الزيتية، ومن رجال الشرطة والدفاع المدني؛ بالإضافة إلى مدنيين قَدِموا من الإسماعيلية وما حولها هربًا من زحف مدرعات العدو وغاراته الجوية.

كانت السويس خالية من القوات العسكرية التي يمكنها الدفاع عن المدينة سوى بقايا أفراد من مؤخرات الوحدات التي عبرت إلى شرق القناة، وبعض أطقم من صائدي الدبابات معهم عدد صغير من قاذفات الصواريخ (آر بي جي)، وبقايا من وحدات إدارية وأفراد من الشرطة، إلى جانب رجال ميليشيا مسلحين تسليحًا خفيفًا من منظمة سيناء العربية، وهي منظمة تكونت بعد هزيمة يونيو 67 كانت تقوم ببعض الأعمال الفدائية خلف خطوط العدو قبل حرب أكتوبر 1973.

كما كانت هناك بقايا جنود لجأوا إلى السويس ليحتموا فيها عقب اشتباكات سابقة مع القوات الإسرائيلية الموجودة في الثغرة، إلى جانب متطوعين من المقاومة الشعبية التي تزعمها الشيخ حافظ سلامة رحمه الله، إمام وخطيب مسجد الشهداء، ورئيس الجمعية الشرعية بالسويس.

وقد فتحت مخازن سلاح الشرطة للمتطوعين، وكذلك تم استخدام ما كان لدى الجنود المصابين في المستشفى العام في المدينة من أسلحة وذخائر، واستخدمت شبكة رجال الشرطة اللاسلكية لتكون حلقة لاتصال الوحيدة بين المدينة والقاهرة، وقد نجح تلاحم هذه المجموعة بفضل الله تعالى في تحويل المدينة عند اقتحام العدو لها من مدينة للأشباح إلى قلعة تتصدى للعدو.

الصفحة السابقة الصفحة التالية