شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

حرب العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر كأنك تراها (14)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

لقد كانت السويس عسكريًّا بعيدة عن خطر التعرض للغزو أو الإغارة الجوية من العدو خلال الأيام الأولى من الحرب؛ خاصة بعد عبور القناة، واجتياح خط بارليف، وتأمين رؤوس الكباري، والتوغل في سيناء، والتغلب على الهجمات المضادة للعدو؛ لذا لم تُتخذ أيُّ تدابير عسكرية بشأن الدفاع عن المدينة، ولم تكن هناك أي خطة موضوعة تحسبًا لمواجهة اقتحام محتمل للمدينة، ولم يُعيَّن للمدينة قائد عسكري؛ لذا لما تعرَّضت المدينة لخطر الاقتحام، صدر القرار بتعيين المستشار العسكري للمحافظة قائدًا عسكريًّا لها مساء يوم 23 أكتوبر.

هاجمت القوات الإسرائيلية السويس صباح يوم 24 أكتوبر من عدة محاور، حيث هاجم لواء القائد (جابي) من اتجاهين: اتجاه الغرب من محور طريق القاهرة - السويس، واتجاه الجنوب الغربي من طريق الزيتية - السويس، متوجهًا إلى وسط المدينة.

وهاجم لواء القائد (آريين) من اتجاهين: اتجاه الشمال من طريق الجناين، واتجاه الشمال الغربي بموازاة طريق القاهرة - السويس، متوجهًا أيضًا إلى وسط البلد للالتقاء بقوات جابي هناك.

بينما قامت قوات لواء القائد (دوفيك) بعملية تطهير لطريق القاهرة - السويس، وللحزام الأخضر الواقع بين الشلوفة والسويس، وقد مَهَّد العدو لاقتحام المدينة بقصف مدفعي كثيف وقصف جوي مركَّز؛ خاصة للأحياء السكنية طوال يوم 23 أكتوبر وصباح يوم 24 أكتوبر من الساعة السادسة صباحًا حتى الساعة التاسعة قبل الاقتحام؛ وذلك للقضاء على أي قوى للمقاومة داخل السويس، وتسبب القصف في تدمير للمباني وإشعال للحرائق فيها واستشهاد وجرح كثيرين امتلأت بهم المستشفى العام، وضاقت بهم العنابر والأسرة، مع انقطاع الكهرباء والمياه والاتصالات، وقلة الأدوات الطبية، وأدوية الإسعاف والعلاج.

وقد لاحظ المدافعون عن المدينة تجنب العدو قصف الشوارع الرئيسية في محور المثلث في المدخل الغربي، ومحور الجناين، وهو المدخل الرئيسي للقادم من الإسماعيلية، ومحور الزيتية في المدخل الجنوبي؛ مما يعني الحفاظ على هذه الطرق سليمة حتى يتم اقتحام المدينة منها، وعليه كان التخطيط لإعداد عدة كمائن لتصيد قوات العدو فيها.

وقرب الساعة الحادية عشرة صباحًا تقدَّمت قوات العدو في ثلاثة أفواج لاقتحام المدينة، وطبقًا للخطة الموضوعة لم تبدِ المدينة أي مقاومة للقوات المقتحمة، والتي توغلت في شوارع المدينة شبه الخالية وبدون أدنى مقاومة؛ فوصل الفوج الأول مفترق الطرق في ميدان الأربعين، وكان الفوج مكونًا من ثلاث مجموعات، في كل مجموعة 8 دبابات تتبع كل دبابة منها عربة مدرعة، وقد اطمأن العدو إلى خلو المدينة من المقاومة، وبرز قائدو الدبابات خارج أبراج دباباتهم في زهو، وهنا بدأ عمل كمائن المقاومة بإطلاق قذيفتين (أر بي جي)؛ فأصيبت دبابة إصابة خفيفة واشتعلت النار بناقلة جنود مدرعة للمظليين، فكانت هي الإشارة لهجوم جموع المقاومة من الجنود والمدنيين من المباني المجاورة والطرق المؤدية إلى ساحة الأربعين على الدبابات وقوات المدرعات بنيران كثيفة من أسلحتهم الخفيفة، وبالقنابل اليدوية، وقنابل المولوتوف من كلِّ اتجاه؛ مما أصاب قوات العدو بالذعر والذهول فارتبكوا، وقفز جنود العدو من مركباتهم فارين من جحيم النيران للاحتماء والاختباء في المباني المجاورة، فتم تصفية بعضهم وجرح آخرين.

ولما رأت جنود الفوجين الثاني والثالث ما وقع لقوات الفوج الأول، مع صعوبة تمييز وتحديد مصادر واتجاهات النيران، وتعذر طلب معاونة المدفعية أو الطيران نظرًا للتداخل بين الطرفين؛ استداروا راجعين لئلا تزداد الكارثة، ومع الارتباك وضيق الطريق اصطدمت بعض مدرعات العدو ببعض، وتسببت في تحطيم أسوار الطريق الجانبية، وقد جرح في المعركة قائدهم (يوسي يوفي) بعد إصابة مدرعته بقذيفة (آر بي جي)، وقد نجح نحو 50 من المظليين الإسرائيليين في اقتحام مبنى قسم شرطة الأربعين، فقتلوا شرطيين مصريين وأسروا ثمانية آخرين، وسيطروا على مبنى القسم المكون من طابقين والمحاط بجدران عالية، ووزعوا أنفسهم على نوافذ المبنى والجزء الأمامي منه، وخصصوا غرفة للإسعافات، وتمكَّن 5 رجال من المظليين في التمركز على سطح مبنى مجاور يمكنهم منه إطلاق النار على المقاومين المحيطين بالمبنى.

دارت حول قسم الشرطة اشتباكات عديدة حاول فيها رجال الشرطة المصريين استعادة القسم وإنقاذ الأسرى، وتم ضرب المبنى بقذائف (آر بي جي) وقنابل يدوية؛ مما تسبب في إشعال النار في الطابق الثاني من المبنى، لكن تمكَّن جنود العدو من صد الهجوم وإخماد الحريق، وقتل عدد من رجال الشرطة المهاجمين.

وفي الساعة الرابعة تكررت محاولة اقتحام المبنى ولم تنجح، ولكن تم صعود سطح المبنى المجاور وقتل المظليين الخمسة الذي كانوا فوقه، وفي منتصف الليل قام رجال المقاومة بإحراق دبابات وناقلات جنود العدو التي تركوها على جانبي الشوارع بالبنزين خشية عودة الإسرائيليين إليها واستخدامها من جديد، وفي ظلمة الليل تمكَّن جنود العدو من مغادرة قسم الشرطة ومعهم قتلاهم وجرحاهم والهروب من المدينة والعودة إلى قواتهم المتواجدة خارج المدينة.

وفي اليوم التالي 25 أكتوبر، دعا قادة العدو محافظ السويس إلى التسليم مهددين بتدمير المدينة بغارات الطيران واقتحامها من جديد، وتم رفض الإنذار الإسرائيلي، وتبيَّن بعدها أن الإنذار كان إنذارًا غير حقيقي، بل خدعة؛ إذ لم تجرؤ قوات العدو على اقتحام المدينة ثانية مكتفية بحصارها من الخارج، وتطويق الجيش الميداني الثالث شرق القناة.

وفي نفس اليوم تم نقل الشهداء والجرحى إلى المستشفى العام بالمدينة، وفي يوم 30 أكتوبر تم نقل جثث الشهداء من المستشفى العام ودفنها في مقبرة الشهداء بالروض.

وفي يوم 28 أكتوبر، وبعد الموافقة على قرار وقف إطلاق النار الثالث في 25 أكتوبر، اتخذ المراقبون الدوليون أماكنهم غرب السويس، وأنشأوا نقاطًا ثابتة على الخط الفاصل بين القوات المصرية والإسرائيلية التي انتشرت حتى الأدبية جنوبًا ونقطة الكيلو 101 من طريق السويس القاهرة غربًا، وهكذا خسر العدو معركة السويس وتكبَّد فيها ثمنًا غاليًا، وقد اعتبر يوم 24 أكتوبر من كل عام عيدًا قوميًّا للسويس.

الصفحة السابقة الصفحة التالية