حرب العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر كأنك تراها (14)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
محاولة احتلال الإسماعيلية والسويس
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فبعد مضي نصف قرن هجري من الزمان على حرب العاشر من رمضان 1393 إلى رمضان 1443 هـ - السادس من أكتوبر، رَحَل -أو يكاد- مَن حضروا هذه الحرب أو عاصروها؛ فلزم علينا أن نذكِّر الأجيال الجديدة بهذه الحرب المجيدة، وما قدَّم المصريون فيها مِن تضحياتٍ، وما بذلوه من جدٍّ واجتهاد في قوة تحمُّل وصبر، وإخلاص وصدق حقَّقوا به مجدًا كبيرًا في ظروف أسوأ وأصعب بكثيرٍ مِن الظروف التي نعاني منها حاليًا؛ إنها روح العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر التي نفتقدها الآن، ونحن أحوج ما نكون إليها.
كان الهدف الإستراتيجي من عملية عبور القوات الإسرائيلية ثغرة الدفرسوار إلى غرب القناة هو احتلال مدينة الإسماعيلية، ثم مساومة مصر عليها مقابل الانسحاب أو التراجع عن الأراضي التي حررتها مصر من سيناء خلال الأيام الأولى من الحرب، وكان الفشل في تحقيق ذلك، يعني أن العملية برمتها لم تحقق الهدف الرئيسي منها.
بدأ التسلل الإسرائيلي عبر القناة في ليلة 15/16 أكتوبر من الجهة الشمالية للبحيرات المرة الكبرى، بمجموعة قتالية صغيرة تابعة لفرقة شارون مكونة من: 30 دبابة برمائية، و300 جندي مظلات، وكانت القوات الإسرائيلية قد حاولت إخراج القوات المصرية من منطقة المزرعة الصينية والاستيلاء عليها؛ لتأمين ودعم عبور القوات الإسرائيلية للقناة من جهة الدفرسوار، ولكنها فشلت في ذلك بعد قتال شرس استمر ثلاثة أيام.
لم يتنبه القادة المصريون لعبور المجموعة الإسرائيلية الصغيرة؛ إذ لم يتوقعوا مثل هذه المجازفة بأن يدفع العدو بقوات لتحقيق هدف إستراتيجي كبير بدون جسور ثابتة مؤمنة، فكانت منطقة العبور شبه خالية من القوات المصرية بعد عبور فرقتي الاحتياط المصرية من غرب القناة إلى شرقها لدعم تطوير الهجوم المصري في سيناء في 14 أكتوبر؛ مما أضعف القدرة على رصد ومراقبة هذا العبور الصغير في أول الأمر، ولتفادي الرصد قامت قوة مظلات العدو بالاختباء في الحزام الأخضر من القناة الموازي لترعة المياه الحلوة الذي تكثر فيه زراعة المانجو، بينما اختبأت الدبابات في هناجر مطار الدفرسوار.
أخذت هذه القوة في التزايد ليلة بعد ليلة، وكوَّنت مجموعات صغيرة هاجمت مواقع صواريخ الدفاع الجوي غرب القناة في المنطقة؛ فأحدثت لأول مرة -وبعد 11 يوم من الحرب- فجوة في حائط الصواريخ المصري غرب القناة؛ مما منح طيران العدو حرية التحرك في قطاعات معينة تكون فيها بعيدة عن مدى صواريخ الدفاع الجوي المصري.
وفي يوم 18 أكتوبر بلغت القوات الإسرائيلية غرب القناة نحو 300 دبابة و2000 جندي مظلات، وفشلت محاولات القصف المدفعي المصري الأولى في التصدي لتلك القوات التي نجحت في تدمير ما كان موجودًا من الدبابات المصرية في المنطقة، ليصبح وجود القوات المصرية في المنطقة منعدمًا تقريبًا.
مهاجمة الإسماعيلية:
ونظرًا لتوقع القيادة الإسرائيلية قرب صدور قرار من مجلس الأمن بوقف إطلاق النار كان يجب عليها الإسراع بتحقيق الهدف من الثغرة بسرعة، وهو احتلال الإسماعيلية التي تعد مركز الجيش الثاني الميداني، والاستيلاء عليها معناه تهديد مؤخرة الجيش الثاني وقطع الإمدادات عنه من شرق القناة وعزله وحصاره، وتحقيق ذلك لا شك سيحدث دويًّا سياسيًّا كبيرًا، ومجدًا وشهرة واسعة لشارون؛ مما يلبي أحلامه؛ لذا سعى شارون لاحتلال الإسماعيلية في أسرع وقت في ظل مساندة قوية من الطيران الإسرائيلي الذي واصل غاراته العنيفة على مدن القناة.
ونظرًا لطبيعة الأرض الزراعية، فكان من الصعب تحرك ومناورة الدبابات والمدرعات، فكان تحرك قوات العدو مقيدًا بالطرق التي تسمح بذلك، ولمواجهة محاولة احتلال الإسماعيلية؛ قام اللواء أركان حرب عبد المنعم خليل ومعه قوة مكونة من: لواء مظلي، وكتيبة صاعقة، بمواجهة القوة الإسرائيلية المكونة من فرقة إسرائيلية مدرعة، ولواء مظلي، بعد منحه حرية التخطيط للدفاع عن مدينة الإسماعيلية، فقام بوضع خطة دفاعية متكاملة لحماية جميع مداخل الإسماعيلية، مع جعل ترعة الإسماعيلية بمثابة مانع مائي طبيعي أمام قوات شارون المتقدمة شمالًا.
وفي يوم 19 أكتوبر عبر لواء إسرائيلي لغرب القناة في منطقة طوسون التي تقع على بعد 12 كيلو متر جنوب الإسماعيلية، واستولى على تبة الشيخ حنيدق على بعد كيلو ونصف كيلو شمال طوسون.
قام شارون بأول هجوم له على الإسماعيلية يوم 20 أكتوبر مدعومًا بقصف جوي ومدفعي، ولكنه فشل وتراجع، وفي اليوم التالي وبعد قصف مدفعي هائل تمهيدي للتقدم؛ هاجم شارون الإسماعيلية فتعرض لنيران رجال الصاعقة التي أجبرته على التراجع.
وطوال ليلة 21 / 22 أكتوبر قامت المدفعية المصرية بقصف مركَّز على القوات الإسرائيلية غرب القناة بالمدفعية، بينما أغارت الطائرات الإسرائيلية على مدن القناة، وتم التصدي لمفارز إسرائيلية مدرعة على طريق (المعاهدة) في اتجاه كوبري (نفيشة) وعلى الطريق الصحراوي في اتجاه الكوبري العلوي، وأجبرت هذه القوات الإسرائيلية على الانسحاب.
وفي صباح 22 أكتوبر تكرر التصدي لمحاولة العدو للتقدم بمعاونة الطيران الإسرائيلي حيث أوقفت عناصر استطلاع الصاعقة المصرية الأمامية تقدُّم سرية مشاة للعدو في اتجاه قرية (أبو عطوة)، وأوقعت به خسائر كبيرة، كما تم إيقاف تقدم قوات العدو على محور (نفيشة).
ومع صدور قرار وقف إطلاق النار في 22 أكتوبر توقف القصف المدفعي، واقتصرت جهود العدو على إخلاء القتلى والمصابين، وقرر شارون بعد هذا الفشل صرف النظر عن دخول الإسماعيلية حفاظًا على قواته، على أن تتوجه جنوبًا.
في 26 أكتوبر عاود العدو -رغم قرار وقف إطلاق النار- تقدمه من جديد لقطع طريق القاهرة الإسماعيلية الصحراوي، وعزل مدينة الإسماعيلية، فتصدت له قوات من الدفاع الشعبي التي كانت تقوم بتأمين الطريق وأجبرت قوات العدو على الانسحاب، تم بعدها الدفع بقوات احتياط إضافية من الجيش الثاني لزيادة قوة الخط الدفاعي.
