التراث والتجديد من منظور السلفية (1)
الشيخ علاء بكر • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد أصبح موضوع التراث والتجديد في العقود الأخيرة محور اهتمام الكثير من العلماء والباحثين، والمفكرين والمثقفين، وأساتذة الجامعات، والكُتَّاب، على اختلاف انتماءاتهم الثقافية والفكرية.
وحظي الموضوع بدراساتٍ وأبحاثٍ كثيرة، ومؤتمرات عديدة، وندوات ومحاضرات، امتلأت بها مئات الكتب والدوريات، والمجلات والجرائد، وناقشته وسائل الإعلام المختلفة التي تناولت وتبنَّت معالجة قضية الموروث الثقافي للأمة من وجهات نظر متباينة.
التراث في اللغة:
الإرث والميراث ما يخلفه الرجل لورثته، وهو أيضًا ما يكون لأناسٍ ثم ينتقل إلى آخرين بنسب أو سبب؛ فالوراثة والإرث انتقال ملكية كل ما يقتنى من غير عقد، أو ما يجري مجرى العقد، وسمي بذلك كل منتقل عن الميت إلى غيره، فيقال للمنتقل عن الميت لغيره: ميراث وإرث وتراث.
وأصل الإرث والتراث لغة: وراث، فقلبت الواو ألفًا في إرث، وقلبت الواو تاء في تراث، قال تعالى: ( وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا ) (الفجر: 19) ، وقال تعالى: ( وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً ) (النساء: 12) .
ويقال أيضًا لكلِّ مَن حصل له شيء من غير تعب: قد ورث كذا؛ قال تعالى: ( وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا ) (الأحزاب: 27) ، وقال تعالى: ( وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ) (الأعراف: 137) .
والأصل في الميراث المال والأشياء المادية، لكنه ليس محصورًا بها؛ إذ يطلق أيضًا على الأشياء المعنوية: كالثقافة بما فيها الجوانب المعرفية والقِيَم الإنسانية، ومنه قوله تعالى: ( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ) (النمل: 16) ، وقال تعالى: ( وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) (مريم:6) ، فالمراد: وراثة النبوة والعلم والفضيلة دون المال، كما في قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: ( لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ ) (متفق عليه) .
وجاء في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم لأصحابه وهم في مكة يتقلبون بين المشاعر متعبدين معظمين: ( قِفُوا عَلَى مَشَاعِرِكُمْ، فَإِنَّكُمْ عَلَى إِرْثٍ مِنْ إِرْثِ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) ، أي: أصله وبقيته. ومنه قول أبي هريرة رضي الله عنه لأهل دمشق: "أنتم هنا -يعني في السوق- وميراث محمد يوزع في المسجد"، فلما ذهبوا لم يجدوا أموالًا توزع وإنما حِلَق العلم، وكان أبو هريرة يشير بكلامه هذا إلى قوله صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا، وَلَا دِرْهَمًا وَرَّثُوا الْعِلْمَ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .
ويقال: ورثت علمًا من فلان، أي: استفدت منه. وقال تعالى: ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) (فاطر:32) ، وقال تعالى: ( وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ) (الشورى: 14) ، وقال تعالى: ( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا ) (الأعراف:169) ، فالوراثة على الحقيقية أن يحصل للإنسان شيء لا يكون عليه فيه تبعة، ولا عليه محاسبة.
ووصف الله تعالى نفسه بأنه الوارث من حيث إن الأشياء كلها في النهاية راجعة عائدة إليه سبحانه وتعالى؛ قال عز وجل: ( وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) (آل عمران: 180) ، وقال تعالى: ( وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ ) (الحجر: 23) (راجع: "مفردات ألفاظ القرآن" للراغب الأصفهاني، بتحقيق وتعليق الشيخ مصطفى العدوي - ط. مكتبة فياض - ط. 1430 هـ - 2009م، 671-672)، وراجع "السلفية وقضايا العصر" د. عبد الرحمن بن زيد الزنيدي - ط. مركز الدراسات والإعلام - دار إشبيلية - الرياض ط. 1418 هـ - 1998 م، ص317 - 320) .
مصطلح التراث في العصر الحاضر:
قد أخذت كلمة (التراث) في عصرنا الحاضر بُعدًا أعمق من حيث استيعابها لكلِّ جوانب الثقافة، كما صار لها بُعدٌ وجدانيٌّ لم يهتم معه المفكرون المعاصرون بالاتفاق على تحديد واضح لمصطلح التراث؛ فمدار دراساتهم حول التراث أنه: كل ما خلَّفه السابقون من آثار ثقافية ومدنية في كلِّ أوجه الحياة.
فالمتداول عندهم: أن التراث العربي هو كل ما تركه العرب، وكل ما أنجز باللغة العربية قبل عصرنا دينيًّا كان أو غير ديني. والتراث الإسلامي يشمل كل الآثار الثقافية والمدنية التي أنجزها المسلمون في ظل الحضارة الإسلامية العريقة والتاريخ الإسلامي الطويل، فكله عندهم تراث، بغض النظر عن مدى التزامه بالإسلام من عدمه.
والأوجه: أن وصفَ تراثٍ ما بأنه من التراث الإسلامي يعني كونه فعليًّا وحقيقة ينتمي لهذا التراث، ويعني موافقته وانسجامه مع تعاليم الإسلام غاية ومنهجًا؛ أي: أن التراث الإسلامي يجب أن ينحصر في أجزاء محددة ومعينة مِن بين ذلك التراث الكبير المنسوب للمسلمين عبر تاريخ الإسلام الطويل، ولا يكون ذلك إلا من خلال عملية نقد إسلامية واعية يقودها المجتهدون من علماء الإسلام المعتبرين؛ فهم أهل ذلك والأولى به.
أهمية التراث:
لتراث كل أمة أهمية كبيرة؛ فهو حضارتها وتاريخها، وهو جذور الأمة الذي تستقي منه الدروس والعبر، وينمي فيها الإحساس بالهوية، والشعور بالمسؤولية التاريخية، وهو تراكم خبرات فيه تنوع ثقافي، بما يحمله من قِيَم وآداب وفنون، وحرف وفلكلور، وعادات وتقاليد ورثتها أجيال وأقرتها، وارتضت منها ما صمد عبر قرون.
وفي هذه الموروثات ما يعد من ثوابت في الأمة الذي لا يقبل التغيير، ومنها ما هو ليس من الثوابت؛ فهو قابل للتغيير، وما كان من التراث من جهود الأمة العلمية والثقافية والاجتماعية، ومن منتجاتها العقلية والعملية فيؤخذ منه ويرد -عدا الإجماع والقياس الجلي فإنهما من الثوابت-.
