التراث والتجديد من منظور السلفية (1)
الشيخ علاء بكر • المنهج السلفي
وما كان منها - من أمور الدنيا التي لا وحي فيها - تقبله حياتنا المعيشية المعاصرة فيحتفظ به لموافقته للعصر، وما كان منها لا تقبله حياتنا المعاصرة -لكونه كان ثقافة أو منتجًا علميًّا أو عمليًّا لصيقًا بالعصر الذي أنتج فيه وارتبط به، ولم يعد موافقًا للعصر الحديث- فيترك أو يطور ليوافق متطلبات العصر، وهذا يقتضي أن يكون باب الاجتهاد في الأمة مفتوحًا.
وفي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) ، وهذا الحديث تناوله العلماء وكتبوا فيه الرسائل في بيان معنى التجديد، والتعريف بمجددي الأمة؛ فذكر بعضهم قوائم بأسماء المجددين بدءًا من المائة الأولى وحتى القرن التاسع كما في قائمة السيوطي، أو حتى القرن الرابع عشر كما في قائمة صاحب (وسيلة المجددين)، ولم يتجاوز المراد من التجديد عند العلماء دائرة إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة.
وكلمة ( مَنْ ) في الحديث تنطبق على الواحد أو أكثر، وعلى ذلك يمكن تعدد المجددين في العصر الواحد، ويمكن بهذا المعنى أن يضطلع بالتجديد مجمع أو مجامع علمية معاصرة في حركة تجديد جماعي.
والحديث أيضًا ينافي ما اشتهر بين الفقهاء في بعض العصور مِن القول بانقطاع الاجتهاد في الأمة من بعد القرن الخامس الهجري؛ بزعم منع الفوضى الدينية، وهو ما أدَّى إلى التقليد وإيجاب التمذهب، وانتهى الأمر بالجمود الفقهي والوقوع في التعصب المذهبي؛ إذ لا حجة تنهض للقول بذلك، وللسيوطي رحمه الله كتاب سمَّاه: (الرد على مَن أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كلِّ عصرٍ فرض)، وهو مطبوع متداول.
ومما ينبغي أن يُرَاعى في تناول حضارة الأمة وتراثها: التعرف على الوجه الحقيقي لهذه الحضارة، وهذا التراث من مصادره الحقيقية التي نبَّه عليها علماء الأمة ومصلحوها؛ لا من المصادر المشوهة والمغرضة؛ فهذا هو حائط الصد الذي يعول عليه في دفع تشويه تاريخ الأمة وحضارتها في مواجهة كل الحملات الشرسة المغرضة من أعداء الأمة -وما أكثرهم!- لتشويه تاريخ الأمة المجيد، والنيل من حضارتها العريقة!
التراث والوحي:
المراد بالوحي: نصوص القرآن الكريم، والسنة المطهرة الثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، والوحي محفوظ بحفظ الله تعالى له، ثم محفوظ بجهود علماء الأمة وأئمتهم.
ودخول الكتاب والسنة ضمن تراث الأمة يحتمل أمرين:
1- اعتبار الوحي "كتابًا وسنة" من تراث الأمة؛ يعني أن تراث الأمة يتضمن:
- الوحي المستمد من علم الله تعالى، متمثلًا في: القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.
- الإنتاج الثقافي والمدني الذي أثمرته الجهود الفكرية والتطبيقية للأمة خلال العصور الإسلامية.
2- أو اعتبار التراث يحمل صفة زمنية ومِن ثَمَّ ظرفية، خلافًا للوحي الذي نزل يتضمن الحقائق والأحكام المتعالية عن الزمان والمكان، وإن كانت تطبق مقتضياتها على أوضاعها من خلال فكر البشر وجهودهم.
ومِن هذين الاعتبارين، فهناك رأيان:
الأول: أن التراث يشمل الكتاب والسنة كما يشمل سائر الإنتاج الفكري المتعامل معهما، فمدلول التراث في هذا التصور لا يقتصر على منجزات العقل الثقافية والحضارية والمادية، بل إنه يشتمل على الوحي الإلهي أيضًا.
ومستند هذا الرأي ما ورد في اللغة العربية وما ورد في النصوص الشرعية من أن الميراث والتراث يشتمل لغة الميراث المادي وغير المادي.
ويرى أصحاب التوجه الإسلامي والنظرة السلفية تقسيم هذا التراث إلى قسمين، ينظر لكل واحد منهما نظرة تختلف عن الآخر، ويتعامل معه تعاملًا مغايرًا للتعامل مع الآخر، فالإنجاز البشري والحضاري والثقافي قابل للنقد والانتقاء، وتوظيفه لخدمة الوضعية المعاصرة التي تقتضيها المصلحة - إن كان في دائرة العفو الشرعي، أما ما تناوله أو أشار إليه الشرع بدون ورود بينات من نص أو إجماع أو قياس جلي، فإن معيار النقد فيه هو موافقة الأدلة الشرعية وقواعد وأصول الاجتهاد الصحيح -، أما الوحي كتابًا وسنة كأدلة منشئة - ويلحقهما الإجماع والقياس الجلي كأدلة كاشفة - فإنه يتلقى ليتكيف الواقع به، وعلى النقيض فعند الحداثيين أن القرآن والسنة هو جزء من التراث غير مقدس! متأثرين بالتجربة الأوروبية الغربية في تعاملها مع النصوص الدينية لديهم والتي وقع فيها التحريف.
الثاني: إخراج الوحي من دائرة التراث ابتداءً، بحيث ينحصر مصطلح التراث فيما أنتجه الأجداد -عدا الإجماع والقياس الجلي-، مما ينفي عن التراث قداسة التعالي عن النقد، وما عفا عنه الشرع كانت المصلحة المعاصرة مقدمة فيه، وما دخل في دائرة التكليف الشرعي كان معيار النقد فيه وفقا لضوابط وقواعد الاجتهاد الشرعي. أي: ضرورة الفصل بين الإسلام من حيث هو دين وعقيدة، وبين الإسلام من حيث هو تراث وحضارة، ومِن ثَمَّ فالإسلام ذاته بما هو تعاليم موحاة ليس تراثًا، وإنما تراث الإسلام هو التراث الديني المتمثل في عطاء العلماء في مختلف الفنون.
يقول د. عبد الرحمن الزنيدي: (وعموما فالرأيان: عد الوحي من التراث، وإخراجه عنه، متفقان لدى ذوي التوجهات الإسلامية على تميز الوحي الإلهي عن الجهد البشري من حيث تنزه الأول عن الخطأ وعموميته للتاريخ البشري كله، خلافًا للثاني) (انظر: "السلفية وقضايا العصر" ص 323) .
وأضاف: (السلفية لا ترى مشاحة في الاصطلاح ما دام مضمون المصطلح متسقًا مع المنهج الإسلامي من حيث موقع الوحي، ومع الجهد البشري في دائرة التراث. ومع ذلك أرى أن الأولى الأخذ بالرأي الثاني، حتى وإن صح لغة إطلاق التراث على الوحي؛ تجنبًا لما يحمله مصطلح التراث في هذا العصر من سمات النسبية والزمنية، خاصة وأن ثقافتنا الإسلامية لم تعد هي المتحكمة بالمجال التداولي للمصطلحات، بل هي للأسف كثيرًا ما تكون تابعة، وتفاعلها مع الثقافة الغربية التي لا يحمل التراث في لغاتها دلالة التقديس والتعالي على الظرفية والبشرية، يقضي بأن ينأى بالوحي عن إدراجه ضمن التراث.
