الكبائر (3) عقوق الوالدين (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- الكبائر هي الذنوب المهلكة التي ضمن الله لمَن اجتنبها في الدنيا الجنة في الآخرة: قال -تعالى-: ( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ) (النساء: 31) .
- عقوق الوالدين من أكبر الكبائر، حيث قرن الله بينه وبين الشرك: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ ) ثَلاثًا، قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ( الإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ... ) (متفق عليه) .
مكانة الوالدين:
- كما أن التوحيد أعظم حق للخالق، كان الإحسان إلى الوالدين أعظم حق للمخلوق: قال الله -تعالى-: ( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ) (النساء:36) ، وقال: ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ) (الإسراء:23) . وقال الله -تعالى-: ( وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ) (الأحقاف:15) .
- فالأم تتحمل الصعاب والآلام من أول لحظة في وجودك: ( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ ) (لقمان: 14) ، ( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ) (الأحقاف: 15) ، وجاء رجل إلى عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- فقال: "إني أحمل أمي وأطوف بها، أتراني وفيتها حقها؟ قال: لا، ولا بزفرة واحدة من زفراتها!".
- تسهر الليل على راحتك وتفزع لبكائك وتتلوث لتطهرك من النجاسة: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فقال: "إن لي أمًّا بلغ الكبر منها أنها لا تقضي حاجتها إلا وظهري لها مطية، فهل أديتُ حقها؟ قال: "لا؛ لأنها كانت تصنع بك ذلك وهي تتمنى بقاءك، وأنتَ تصنعه وتتمنى فراقها!".
- وأبوك يسعى في الدنيا لأجلك، فيحرم نفسه ليعطيك، ويضعف بدنه ليقويك، ويفديك من المخاطر بنفسه ليبقيك، ويتألم أشد الألم لما يؤذيك: "كتب أحد الصالحين إلى أبيه: جعلني الله فداك، فكتب إليه الوالد: لا تكتب مثل هذا؛ فأنت على موتي أصبر مني على موتك!".
- ولذلك مهما عملنا لهم، فلن نوفيهم حقهم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدًا؛ إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ ) (رواه مسلم) .
- ومن المفروض أنه جاء دورك في الوفاء للوالدين؛ فأنت إلى قوة واستطاعة، وهما إلى الكبر والضعف: قال الله -تعالى-: ( إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا ) (الإسراء:23) ، وقال -تعالى-: ( هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ ) (الرحمن:60) .
- لكن بعض الناس سلك مسلك الجحود والإنكار، ونسيَ أمر الله بالإحسان إليهما، ووقع في العقوق: قال الله -تعالى-: ( وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ. ) (الأحقاف:17) .
من مظاهر العقوق (1) :
1- تحزينهما وإتعابهما والتعالي عليهما: "التأفف والعبوس - الاستخفاف بهما - عيب طعام الأم - أمرها بالكنس والتنظيف وترك المعاونة - ترك الاستئذان حال الدخول عليهما - إثارة المشاكل مع إخوته أو زوجته في حضورهما - كل ما سَبَّب لهما الحزن والمشقة"، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا ) (رواه مسلم) . وقال عروة بن الزبير: "مَا بَرَّ وَالِدَهُ مَنْ شَدَّ الطَّرْفَ إِلَيْهِ" (السِّيَر) .
2- إدخال المنكرات بيتهما بما يجعلهما في محل مسئولية عند الله: قال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللهَ سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا اسْتَرْعَاهُ، أَحَفِظَ أَمْ ضَيَّعَ، حَتَّى يَسْأَلَ الرَّجُلَ عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ) (رواه ابن حبان، وصححه الألباني) .
3- وهو مِن أعظمها: التخلي عنهما وقت الحاجة والعجز أو التقتير عليهما "فأين ردُّ الجميل؟!": قال الله -تعالى-: ( هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ ) (الرحمن:60) ، وقال -صلى الله عليه وسلم- للرجل الذي شكي والده في أخذ المال منه: ( أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) . (مِن صور العقوق حول ذلك؛ تلك الصورة المكرورة لأم تموت في بيتها، ولم يعلم بها أحدٌ من أولادها إلا بعد أيام لما دخلوا البيت؛ وذلك لقلة زيارتهم لها!).
4- التسبب في شتمها أو لعنها: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ ). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهَلْ يَشْتُمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟! قَالَ: ( نَعَمْ، يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ، فَيَسُبُّ أُمَّهُ ) (متفق عليه) .
5- إيثار الزوجة والأولاد عليهما: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: جَاءَ رَجُلٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: ( أُمُّكَ ). قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ( ثُمَّ أُمُّكَ ). قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ( ثُمَّ أُمُّكَ ). قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ( ثُمَّ أَبُوكَ ) (متفق عليه) .
