شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الكبائر (3) عقوق الوالدين (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

صورة من العقوق حول ذلك: جاء في كتاب: "بر الوالدين آداب وأحكام لخالد الخراز": "أن أمًّا وابنها عاشا حياتهما بكلِّ ظروفها حلوها ومرها، وشب الولد وهو في بيت أمه تنظر إليه بكلِّ شوق وسرور ولهفة، وتتمنى له الخير، وبعد أن بلغ سن الزواج أخذت الأم تبحث له عن زوجة جميلة من أسرة طيبة، ولا تدري المسكينة ما تخفي لها الأقدار، وتزوج الولد وفرحت الأم، وما هي إلا أيام حتى كشرت الزوجة عن أنيابها، وأخذت تحشو ذهن زوجها بضرورة إيداع أمه في دار المسنين بحجة أنها كبيرة مسنة، وحاول الابن جاهدًا أن يثنيها عن رأيها، ولكنها أصرت! وبقلب من حجر، وجماد من لحم، ذهب بها إلى دار رعاية المسنين، وهناك أجلسها على كرسي بجوار العيادة بحجة الكشف عن صحتها، وقال لها العاق: اجلسي هنا على هذا المقعد لتدخلي إلى الطبيب، ثم تركها هاربًا إلى زوجته الفاضلة!

ومضت الساعات والأم جالسة في انتظاره، ولكنها عبثًا تجلس، ومفقودًا تنتظر، فلقد ذهب الولد العاق دون رجعة، وبلا عودة حتى أنكر الموظف جلوسها ليقول لها: لماذا تجلسين هنا يا عمة؟ فأجابت: ابني سوف يأتي الآن ليأخذني بقلب مشبع بالأمل! قال لها الموظف: ادخلي يا أماه فقد أسدل الليل ستاره، ولأمر ما عاشت الأم في تلك الدار سنتين! وغدت كل يوم تنزل من مخدعها، وتجلس على نفس المقعد الذي تركها ولدها فيه، وتقول: سوف يأتي ولدي الآن أنا في انتظاره! أنا في انتظاره!".

عاقبة العقوق:

1- يستجلب غضب الرب -سبحانه-: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الْوَالِدِ، وَسَخَطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الْوَالِدِ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

2- يستجيب الله دعاءهما ولو كان الولد طائعًا: "ذكر الشاهد من قصة جريج العابد وأمه"؛ فكيف لو كان الولد عاصيًا؟!

3- سبب في حبوط الأعمال أو ردها على صاحبها: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( ثَلاثَةٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ لَهُمْ صَرْفًا وَلا عَدْلا: عَاقٌّ، وَمَنَّانٌ، وَمُكَذِّبٌ بِالْقَدَرِ ) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني) .

4- يمحق بركة الرزق والعمر: عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ؛ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ) (رواه البخاري ومسلم) .

5- سبب في الحرمان من الجنة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنَّانٌ، ولا عَاقٌّ وَالِدَيْهِ، وَلا مُدْمِنُ خَمْرٍ ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني) .

6- عقوبة معجلة في الدنيا قبل الآخرة: قال -صلى الله عليه وسلم-: ( بابانِ مَعَجَّلانِ عُقُوبَتُهُما فِي الدُّنْيا: البَغْيُ والعُقُوقُ )( رواه الحاكم، وصححه الألباني ).

الجزاء من جنس العمل (كما تدين تدان):

"هذه أم تجلس مع أطفالها كل يوم وهم يدرسون، وكان والد زوجها شيخًا مسنًّا كبيرًا، يعيش معهم في البيت، ولكن في غرفة منعزلة في حديقة البيت، كل يوم تذهب إليه تضع له الطعام ثم تعود إلى أولادها تلعب معهم وتقوم على تربيتهم، وفي يوم من الأيام رأت أحد أولادها الصغار يلعب في ورقة وقلم يرسم مربعات في وسط الورقة، فسألت الأم: يا بني ماذا ترسم؟ فأجاب: أرسم بيت المستقبل! فرحت الأم لجوابه، ثم قالت: ولماذا هذا المربع بعيد عن البيت؟ فقال: هذه غرفتك في المستقبل، فقالت له متعجبة: ستجعلني في غرفة وحدي؟ فقال: نعم، كما أنت تجعلين جدي في غرفة منعزلة وحده!

فكانت هذه الكلمات البريئة كالصاعقة لهذه الأم، فتأثرت لموعظة الطفل الصغير، وذهبت وغيرت أثاث البيت، وجاءت بالجد إلى داخل السكن في أفضل غرفة في البيت، وعندما عاد زوجها تعجب أن الجد داخل البيت، فقال لها: ماذا حدث؟ فقالت له ما قاله الطفل؛ فتأثر تأثرًا شديدًا، وشكرها على ذلك" (بر الوالدين آداب وأحكام لخالد الخراز) .

خاتمة: علاج العقوق:

التزام البر مع الوالدين، واستحضار فضلهما على الدوام، والتيقُّن مِن أنهما سبب عظيم بعد التوحيد في نيل الجنة، والنجاة من النار: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ ) قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ( مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا، ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ ) (رواه مسلم) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قال ابن حجر العسقلاني -رحمه الله-: "والعقوق مشتق من العقِّ، وهو: القطع، والمراد به: صدور ما يتأذَّى به الوالد مِن ولده، مِن: قول، أو فعل؛ إلا في شرك أو معصية، ما لم يتعنت الوالد" (فتح الباري) .

الصفحة السابقة