شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

التراث والتجديد من منظور السلفية (2)

الشيخ علاء بكر • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فيتفق غالبية مفكري الأمة على ضرورة الرجوع إلى تراث الأمة والاستفادة منه، ولكنهم يختلفون في المنهج الذي يتعاملون به في دراسة هذا التراث؛ كل بحسب منهجه المعرفي الذي يسلكه، وتوجهه الأيديولوجي الذي يأخذ به.

ولا يقتصر التعامل مع التراث على نشر كنوزه المدفونة في مخطوطاته القديمة في المكتبات المنتشرة حول العالم، وهو ما يتولاه في الواقع قلة مِن القادرين من الناحية العلمية على تحقيق ونشر هذه المخطوطات، ولكن الأمر يحتاج إلى جهدٍ أكبر يتمثَّل في التفسير والدراسة التحليلية لنقل هذا التراث من عصره الذي كُتِب فيه، وتشكَّل حسب ظروفه إلى عصرنا؛ ليكون في خدمة مطالب العصر الحاضر.

وتركِّز غالب دعوات إحياء التراث وبعثه على مجال نشر المخطوطات الموجودة قبل تعرضها للضياع أو التلف، وتهتم بتصنيف وتقييم تلك المخطوطات حسب فنونها، مع توجيه الباحثين والدارسين المتخصصين لجمع نسخ هذه المصنفات وتحقيقها والكتابة عنها.

وهذه الخطوة لا تعدو أن تكون وسيلة إلى غاية أكبر، وهي الوصول إلى قيمة هذا التراث في واقعنا المعاصر، وإن كان انتقاء ما يُرَاد بعثه وإحيائه وترك غيره لا تخلو من نظرة نقدية لمخطوطات التراث.

ولا شك أن للتراث الإسلامي والعربي الذي قاد وساد الحضارة البشرية لقرونٍ طويلةٍ آثارًا إيجابية لا تقف عند حدوده الزمنية التي كُتِب فيها، بل تمتد إلى العصور اللاحقة، كما أنه لا يخلو أيضًا من آثار سلبية، وهذا عام في كلِّ التراث البشري دون تمييز، وهذا يوجب التفاعل الجاد مع التراث -أي: تراث- من أجل الاستفادة من جوانبه الإيجابية واتقاء جوانبه السلبية، بعيدًا عن تجاهل وإلغاء ورفض الكل، وبدون الاندفاع في أخذ الكل بلا وعي وبصيرة، والمدخل لهذا الانفتاح المنضبط على التراث هو صحة وسلامة المنهج، والمرجعية المعيارية في التعامل مع التراث والحكم عليه.

السلفية والتراث:

(إن الإنسان خاصة في مجال الدراسات المتعلقة بالإنسان نفسه مِن حيث هو إنسان لا ينفك عن مرجعية تظل حاضرة فيه مؤثرة في تصوراته للأشياء وحكمه عليها). والسلفية منهج له مرجعية يستند عليها، فالقراءة السلفية للتراث والتعامل السلفي مع التراث مستمد حتمًا من هذه المرجعية السلفية.

فـ(السلفية: هي الوحي الإلهي -القرآن الكريم والسنة المطهرة- من خلال تجليها في سيرة وهدي الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وأصحابه رضي الله عنهم فهمًا وعملًا، ثم مَن جاء بعدهم بالتبعية لهم، أي: لأخذه بفهمهم وعملهم).

يقول ابن تيمية رحمه الله: (فالعلم المشروع والنسك المشروع مأخوذ عن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأما مَن جاء بعدهم؛ فلا ينبغي أن يجعل أصلًا، وإن كان صاحبه معذورًا، بل مأجورًا لاجتهاد أو تقليد) (مجموع الفتاوي 10/ 362، وراجع: السلفية وقضايا العصر، تأليف د. عبد الرحمن بن زيد الزنيدي - ط. مركز الدراسات والإعلام دار أشبيليا - الرياض - ط. أولى 1418 هجريا - 1998م، 342، 344) .

والسلفية تقدِّم مرجعيتها تلك على أنها تمثِّل الوسيلة الناجحة الموضوعية في دراسة التراث، وأنها كفيلة إن اتخذها الإنسان مرجعية له أن يستثمر منجزات الحاضر وإيجابيات التراث الماضي، وهذه المرجعية تختلف اختلافًا جذريًّا عن المرجعيات الأخرى، ولا يمكن أن تفهم إذا أدرجت ضمن الأيديولوجيات الأخرى كالليبرالية أو الماركسية أو غيرها (راجع المصدر السابق، ص 344 - 345) .

(تتمثَّل هذه الجذرية في الاختلاف في كونها مرجعية (لا زمنية في سلطان أحكامها)، أي: ليست نتاج واقع ظرفي؛ سواء كان قديمًا أو حاضرًا، وهذه المرجعية هي -كما أسلفنا-: (الوحي الإلهي بمقرراته التي تمثِّل الحقيقة في القرآن والسنة الثابتة، والإجماع كدليل كاشف)، وهذا لا يعني أن المرجعيات الأخرى أيًّا كانت لا تشتمل على عناصر موضوعية معرفية وأيديولوجية، كلا، إن كل مرجعية تشتمل على بعض من هذه العناصر، والتراث ذاته يشتمل على هذه العناصر، لكن الأمر هنا هو أمر تعالٍ وأكملية:

- هل التراث هو الأولى بأن يهيمن على الواقع؛ لأنه يشتمل من العناصر الموضوعية معرفية وأيديولوجية على قَدْر أوفر وأوثق مما لدى عصرنا الذي اغترب فيه الإنسان حتى تاه عن حقيقة وجوده، كما يمكن أن يقول التراثيون؟

- أو أن الأمر بعكس ذلك: أن العصر بتوسعه المعرفي وتقدمه المتنوع أولى أن يخضع له التراث، مقدمًا بقاياه التي يحكم هذا العصر بنفعها وصلاحيتها، كما يمكن أن يطرحه المقابلون للأولين؟

في السلفية: الوحي بمقرراته فوق العصر والتراث معًا، بما فيهما من عناصر إيجابية، فالسلفية تنظر إلى موضوعها التراثي بعينين لا عين واحدة:

- عين الحقائق المستمدة من مرجعيتها الكتاب والسنة.

- وعين يحكمها البُعد التاريخي المدروس ولحاضر دارس التراث) (المصدر السابق، ص 345- 346 بتصرفٍ) .

وفي السلفية: (فإن الوحي على الرغم من اللا زمنية في مبادئه وأحكامه؛ إلا أنه ليس مستحيل التطبيق؛ أي: ليس أحكامًا كاليوتوبيات التي تصوغها خيالات الفلاسفة؛ بل إنه واقعي، قابل للفهم والتطبيق في الحياة البشرية) (المصدر السابق، ص 347، بتصرف) .

وفي السلفية: الفهم البشري للوحي مجرد من تحكم الأيديولوجيات البشرية بالنصوص، فالسلفية تقدِّم الحل متمثلًا بفهم السلف الصالح؛ صحابة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، بصفته الفهم الأمثل لهذا الوحي الذي قام عليه التطبيق الأول للإسلام، الذي يستحق أن يكون النموذج المحتذى لمَن بعدهم لأسبابٍ كثيرةٍ، مِن أبرزها:

- فصاحتهم اللغوية: حيث كانوا على مستوى خطاب الوحي من حيث الفهم؛ لأن الوحي نزل بلغتهم التي كانت في قمتها البيانية وقت البعثة.

- منهجهم الفطري في البحث والفهم والتلقي؛ حيث كانت فطرتهم حية لم تلوثها الفلسفات ولاهوتيات الأديان المحرَّفة التي تمثل مسبقات فكرية تحكم حركة عقل صاحبها وفهمه؛ ما حدث لكثيرٍ ممَّن تلاهم.

- أنهم كانوا أقرب الناس للرسول -صلى الله عليه وسلم- زمانًا ومكانًا، حيث كانت تتشكل تصوراتهم وحياتهم تحت توجيه الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وكانوا يعيشون تلقيه للوحي وبيانه لهم، وتطبيقه في واقع حياته.

الصفحة التالية