التراث والتجديد من منظور السلفية (2)
الشيخ علاء بكر • المنهج السلفي
- أنهم بحكم فطرتهم وفهمهم الأصيل للدِّين ضبطوا موقع العقل البشري في دائرة الدين؛ أي: في علاقته مع الوحي الإلهي، دون إلغاء للعقل، ولا تطاول به على النصوص.
- إن الوحي ذاته زكَّى تراثهم، وجعله نموذج التطبيق الصحيح للفهم السليم للإسلام في بيانه -صلى الله عليه وسلم- أن الفرقة الناجية من الانحراف عن الدين، ومِن ثَمَّ مِن استحقاق النار، هي ( مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) ، ووجَّه -صلى الله عليه وسلم- المسلمين للتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهدين من بعده (راجع المصدر السابق، ص 348) . وفي تزكية معتقد الصحابة وأصولهم الإيمانية؛ قال -سبحانه وتعالى-: ( فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا ) (البقرة:137) .
(وهذه المرجعية المتمثِّلة بالوحي قرآنًا وسنة، وبفهم السلف من صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتطبيقهم، تنطوي على المعالم المنهجية لحركة العقل في دراسته للتراث ونقده إياه، وهي المنهجية التي أبرزها العلماء المسلمون ابتداءً من الشافعي في (الرسالة) وحتى ابن تيمية في (الرد على المنطقيين)، وغيرهما مِن العلماء).
وليس المراد بالمنهجية السلفية هنا منهج استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية المعروف بأصول الفقه، وإنما المقصود: (ما هو أعم من ذلك مما يتعلَّق بإثبات القضايا وتصحيح النقول، وما يضبط حركة العقل وينظمها في مسلك منتج في أي ميدان سلكه، وتشمل هذه المنهجية تحديد مصادر المعرفة ومراتبها، والمسالك العقلية السليمة، والتفسير الإسلامي للوجود بعالميه: الغيب والشهادة، وغيرها من ضوابط الفكر في الإسلام، مع أن هذا لا يمنع أن يستثمر المسلم ما يستجد مِن الطرائق المنهجية - مما لا يعارض أدلة الوحي ومناهج الاستدلال المتفق عليها عند أهل السنة - التي يستطيع بها أن يحقق إدراكًا أوضح وأوثق لموضوعاته، وإمكانًا أكبر لصحة الحكم عليها) (المصدر السابق، ص 348 بتصرفٍ) .
من معالم المنهجية السلفية في دراسة التراث:
1- الانطلاق من منظور ديني(إسلامي):
السلفية تنطلق (في قراءتها للتراث من منظور ديني يجعل العامل الروحي (الإيمان والعقيدة) المحرك الأساسي للتاريخ، والفاعل الأكبر في التراث، وبما أن هذا الدِّين منحدر إلينا من الماضي؛ أي: أنه جزء من التراث، فإن قراءة السلفية للتراث فهم تراثي للتراث).
أما في الفكر الليبرالي: فإنه ينظر إلى التراث العربي الإسلامي من الحاضر الذي يحياه حاضر الغرب الأوروبي (فيقرأه قراءة أوروبية النزعة)، أي: ينظر إلى التراث من مرجعية أوروبية؛ ولذا لا يرى فيه إلا ما يراه الأوروبي؛ فهي إذًا قراءة استشراقية) أما في الفكر اليساري (الماركسيون العرب): فينطلق (من المادية الجدلية (كأيديولوجية) قائمة يريدون أن يفرضوا على التراث الإسلامي قضاياها، فالتراث الإسلامي يجب أن يكون انعكاسًا للصراع الطبقي من جهة، وميدانًا للصراع بين المادية والمثالية من جهة أخرى، ويكون دور القراءة الماركسية هو: تعيين لأطراف وتحديد المواقع، وإذا استعصى عليه ذلك تذرع بصعوبة التحليل أمام هذا التعقيد البالغ الذي تتصف به أحداث التاريخ العربي) (راجع المصدر السابق، ص 330) .
2- الشمولية:
الانتقائية خاصية من الخصائص المشتركة بين الدارسين للتراث في العصر الحاضر؛ نتيجة لضخامة وكثافة التراث العربي الإسلامي من جهة، ولتشعب الوجهات التي حملها التاريخ حتى يبدو التراث معها كأنه ممتلئ بالمتناقضات من جهة أخرى، ولكون التراث جهد بشري تراكمي يقوم على استيعاب الصور السابقة وتطويرها من جهة، ولاختلاف اتجاهات المفكرين في العصر الحاضر من جهة؛ لذا صار منهج الانتقاء والاختيار سمة لعامة الدراسات المتعلقة بالتراث بعثًا ونشرًا، أو قراءة ونقدًا (راجع المصدر السابق، ص 332، ص 354) .
ويتبدى الانتقاء في صورتين:
الأولى: تتمثل في أحد منهجين:
أ- إما منهج إبراز الجوانب المشرقة -حسب رؤية الدارس- من خلال المنتجات الفكرية والتطبيقات العملية إبداعًا علميًّا، أو قيمًا سامية، أو رقيًّا حضاريًّا.
ب- أو منهج إبراز الجوانب السلبية -حسب رؤية الدارس أيضًا- في تصورات الناس ومواقفهم، وكشف آثارها على الحياة والحضارة؛ سواء كانت معرفية أو اجتماعية أو غير ذلك (المصدر السابق، ص 332) .
ولا شك أن التباين سيحدث بين الدارسين هنا؛ مما يجعل التناقض في الأحكام بينهما قائمًا؛ فهذا (انتقاء تحكمي يمارسه الشخص من أجل أن يثبت وجهة نظر يعتمدها، أو يبرر به رغبة ذاتية لديه، فيأخذ من التراث ما يوافق هذه الرغبة ويهمل ما سواه أو يهمشه؛ بحيث لا يبدو على ما مستوى ما أبرزه) (المصدر السابق، ص 354) .
الثانية: يتجه فيها الانتقاء إلى لون أو ألوان محددة من التراث تخدم غرضًا محددًا أو تلبي حاجة قائمة.
- فهناك مَن يتجه إلى تراث الفلاسفة لاستلهام القِيَم الإنسانية والاجتماعية من فلسفاتهم.
- وهناك مَن يرى أن التراث الذي يستحق البعث لكي يكون عماد النهضة للمسلمين هو العلوم الفقهية والأصولية، بصفتها العلوم الإسلامية الخالصة.
- وكثير من المستشرقين ومثلهم كثير من الباطنيين والوجوديين اهتموا بإحياء تراث الصوفية والاتجاهات المنحرفة عن الإسلام، وهناك مَن حوَّل الاهتمام بالتراث إلى أدنى صوره المتمثلة بأزياء الملابس، والأثاث والمساكن، ونحوها مما يسمَّى (فلكلورًا)؛ إما تأثرًا بالاهتمام الغربي بهذه الأمور، أو لصرف الهمة عن التراث الحقيقي في جوانبه الدينية والثقافية والحضارية التي تتشكل من خلالها شخصية الأمة (راجع المصدر السابق، ص 332 - 333) .
والسلفية بحكم مرجعيتها -الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح- التي تمثِّل الأقوى علميًّا وإيمانيًّا لدى المسلمين لا حاجة بها إلى هذه الصورة من الانتقاء؛ إذ كشف حقائق الرؤى التراثية المناقضة لمقررات الوحي كافٍ في إسقاطها بهذا التناقض معه موضوعيًّا في الميدان العلمي، ونفسيًّا في ميدان الإيمان لدى عموم المسلمين (راجع المصدر السابق، ص 355) .
