التراث والتجديد من منظور السلفية (2)
الشيخ علاء بكر • المنهج السلفي
يفتقر أصحاب الحداثة والأيديولوجيات المعاصرة ومَن في ركابهم في دراستهم للتراث إلى كثيرٍ من الموضوعية، منحازين إلى ما توحيه إليه تطلعاتهم وطموحاتهم، حيث يلجأ هؤلاء إلى (توظيف التراث لخدمة أيديولوجيتهم المعاصرة حتى لا تبدو غريبة على البيئة الإسلامية، وإنما تجد أسانيد في تراث هذه البيئة، وحتى يتحقق ذلك لا بد من القيام بهذه العملية التمويهية، وإصحابها بزخم من التأييد وتكريس دلائل صدقها، أو إصحابها بزخم مضاد إذا كانت معاكسة للأيديولوجية المرادة.
والسلفية ليست بحاجة لذلك فهي -كما أسلفنا- تستند على مرجعية أرسخ في واقع المسلمين - مبدئيًّا- من كلِّ صور التراث المنحدر إلينا من فكر المسلمين وتطبيقاتهم؛ فضلًا عن تراث غير المسلمين القريب والبعيد.
وعليه: فإن حسب السلفي أن يكشف عن الحقيقة التراثية بشكل موضوعي ثم يبيِّن موقعها الصحيح إسلاميًّا، أي: في ضوء تعاليم الوحي؛ لينصاع الناس -المسلمون- للحقيقة الإسلامية معرضين عما خالفها. مثلا: في دراسة كثير من المتأثرين بنظرية التطور العضوي لمقدمة ابن خلدون في حديثه عن مراتب الكائنات من الأدنى إلى الأعلى؛ جمادًا فنباتًا فحيوانًا فإنسانًا، ومن خلال عبارات -موهمة بلا ريب- حكم هؤلاء بأن ابن خلدون سبق دارون إلى القول بنظرية التطور العضوي، وتسلسل الإنسان من المخلوقات الدنيا؛ لأن ضغط الفكر المعاصر الذي يمثل مرجعية هؤلاء أملى عليهم هذا الحكم!
أما السلفيون: فإنهم من خلال دراستهم الموضوعية لما كتبه ابن خلدون في تاريخه قد وصل بعضهم إلى أن حديثه إنما هو عن مراتب هذه الموجودات من حيث خصائصها، ولنفرض أن السلفي انتهت دراسته الموضوعية إلى أن ابن خلدون يقول بنظرية التطور العضوي في جانبها المنكر للخلق المستقل لآدم فإنه لا حاجة له إلى حدوس (من الحدس) يدرأ بها هذه النتيجة، وحسبه أن يكشف موقف الوحي بشأن خلق آدم، وبالتالي خطأ أي تصور مخالف كائنًا مَن كان قائله؛ ابن خلدون أو غيره (المصدر السابق، ص 358- 359) .
5- سلامة الغاية:
غاية العصرانيين من دراسة التراث هي احتواؤه؛ ليوظفوه حسب أيديولوجيتهم في انطلاقتهم المواكبة للعصر الحاضر. أما غاية السلفية من دراسة التراث ونقده فهي: القضاء على عناصر الخلل في فساد العصرانيين المنهجي؛ لئلا يتسرَّب هذا الخلل إلى حياة المسلمين المعاصرة عبر بوابة التراث.
(إننا -كما يقول أكرم العمري- بحاجة في استيحاء التراث لتكوين المنظومة العقلية لمنهجنا، مستمدين ذلك من الكتاب والسنة ومناهج الأصوليين والفقهاء -التي لا تتعارض مع أدلة الوحي ومناهج أهل السنة في الاستدلال-.... إن إيجاد هذه المنظومة صار ضرورة حتمية، وإن رفض المنطق الغربي بسبب عوارضه الوثنية وجذوره المادية وتفلته من السياج الديني يحتاج إلى منظومة عقلية بديلة، وأحسب أن أساسها موجود في التراث) (المصدر السابق، ص 361 نقلًا عن (التراث والمعاصرة) أكرم العمري، 70 -71) .
(إن الأمة ما لم ترتكز على تراثها؛ فإنها توشك أن تذوب و تضمحل هويتها، وما لم يكن التراث ممحَّصًا مطهَّرًا من عناصره التي انكشف زيفها؛ فقد يكون هو عامل تخلُّف وشلل، هذا بالنسبة للمسلمين، أما بالنسبة لغير المسلمين فيهدف من دراسة التراث إلى تمييز ما يدخل تحت ظل الإسلام ويمثِّل تعاليمه حسب الطاقة البشرية فهمًا وتطبيقًا، مما هو خارج عن الإسلام مخالف له، وإن انتسب إليه وانطوى تحت ما يسمى بالتراث الإسلامي، وذلك من أجل أن تقوم الحجة من قِبَل المسلمين على غيرهم؛ سواء كانوا من الدارسين للإسلام: كالمستشرقين، أو سواهم من الباحثين عن الحق) (المصدر السابق، ص 360 -361 بتصرفٍ) .
وللحديث بقية إن شاء الله.
