شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

التراث والتجديد من منظور السلفية (2)

الشيخ علاء بكر • المنهج السلفي

أما عدم اهتمام السلفيين بالتراث الفلسفي (لأنهم يرون أن هذه الفلسفة بتجاوزها بالعقل نصوص الوحي تمثِّل نقيضًا للسلفية)، و(أن الفلسفة بهذا التجاوز كانت نكبة حضارية وفسادًا في الدين).

وهذا لا ينافي أن المنهج السلفي بمرجعيته السلفية يمتاز بالشمولية في التعامل مع أي تراث كان، فالسلفية لا تقف في قراءتها للتراث عند مرحلة زمنية من التاريخ لا تتعداها -كما قد يصورها البعض-، ولا هي قاصرة على التراث الإسلامي متنكرة لتراث الأمم الأخرى- كما قد يصورها البعض-، فالسلفية بحكم منهجها المعرفي الذي يستوعب مجالات العلم المختلفة دينية وكونية وإنسانية، وبحكم رسالتها التقويمية للحياة البشرية تمتد بقراءتها لكلِّ زوايا التاريخ.

(يقول ابن تيمية وهو يقوم بفرز معياري للتراث في عصره جاعلًا الوحي أصلًا ثم مقسمًا المعارف الأخرى: (الحق الذي لا باطل فيه هو ما جاءت به الرسل عن الله، ويعرف بالكتاب والسنة والإجماع، وهو مبني على أصلين:

أحدهما: أن هذا جاء به الرسول.

والثاني: أن ما جاء به الرسول يجب اتباعه.

الأولى مقدمة علمية مبناها على العلم بالإسناد والعلم بالمتن؛ وذلك لأهل العلم بالكتاب والإجماع لفظًا ومعنى، وإسنادًا ومتنًا.

والثانية إيمانية وضدها الكفر والنفاق.

وما وراء ذلك قسمان:

الأول: ما أثر عن الأنبياء السابقين مما بأيدي المسلمين وأيدي أهل الكتاب كالإسرائيليات، وقد لبس حقه بباطله، فهو يسمع ويروي إذا علمنا موافقته لما علمناه؛ لأنه مُؤنِس مؤكَّد وقد علم أنه حق، وأما إثبات حكم بمجرده، فلا يجوز اتفاقًا.

الثاني: ما يروى عن الأوائل من الفلاسفة ونحوهم، وما يلقى في قلوب المسلمين يقظة ومنامًا، وما دلت عليه الأقيسة الأصلية أو الفرعية، وما قاله الأكابر من هذه الأمة؛ علماؤها وقراؤها، فهذا فيه الحق والباطل؛ لا يرد كله ولا يقبل كله، بل يقبل منه ما وافق الحق، ويرد منه ما كان باطلًا، والأقيسة العقلية الأصلية والفرعية الشرعية هي من هذا الباب؛ ليست كلها صحيحة، ولا كلها فاسدة) (راجع: مجموع الفتاوى 19/ 5-8 بتصرفٍ) .

قال د. عبد الرحمن بن زيد الزنيدي: (ولقد قام الإمام ابن تيمية بدراسات نقدية مطولة ومتنوعة للتراث البشري الذي التقى في الحضارة الإسلامية وتنامى حتى وصل إلى عصر ابن تيمية؛ سواء كان من تراث الأديان السابقة أو من الفكر الفلسفي، أو مما تولد لدى المسلمين من علوم تتفاوت بحسب مستمدها والمؤثرات التي أحاطت بها. وهكذا كل مجدد سلفي تقتضي حركته التجديدية نقد التراث وتحديد القيمة الحقيقية لعناصره المعرفية ورؤاه الأيديولوجية من خلال المرجعية السلفية الكتاب والسنة (راجع: السلفية وقضايا العصر، ص 350) .

3- مراعاة الواقع (الواقعية):

تنظر السلفية إلى التراث بعينين:

- عين الحقائق المستمدة من مرجعيتها القرآن والسنة.

- عين تنظر إلى الأشياء من خلال الإطارات الزمنية والظرفية التي تحكمها.

ولهذا كان من شروط المجتهد بإزاء فقه الشريعة، فقه الواقع الذي سينزل عليه الحكم؛ وعليه كان من القواعد المشهورة لدى السلف: (تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال، والنيات والعوائد) (راجع في ذلك: إعلام الموقعين لابن القيم، 3 /3) .

ولنظر هذه العين الثانية زاويتان:

1- الزاوية الأولى: زاوية الظرف التاريخي الذي تمت فيه الواقعة التراثية؛ سواء كانت فكرة مصاغة أو واقعًا تطبيقيًّا.

ومن أهم وسائل تسديد النظر في هذا المجال: التبصر بالمصطلحات؛ فمع أن الوحي حاكم على أفكار الناس وسلوكهم، وله مصطلحاته التي تمثِّل الأصل؛ إلا أنه لا ينبغي في دراستنا للتراث المبادرة إلى حمل الألفاظ التي استخدمها أصحابه على المصطلح الشرعي ومحاكمتهم من خلالها، بل لا بد -كما يقول ابن تيمية- من شيئين:

أحدهما: معرفة معاني الكتاب والسنة.

والثاني: معرفة معاني الألفاظ التي ينطق بها هؤلاء المختلفون، حتى يحسن أن ينطبق بين معاني التنزيل ومعاني هؤلاء، ليكون الحكم على المعاني لا على مجرد الألفاظ) (راجع: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية، 1/ 75) .

ومن وسائله: معرفة الظروف التي نشأ فيها التراث وتبلور، ومعرفة الأصول التي استمد منها، والآثار التي نتجت عنه، ونحو ذلك.

وإذا تم تحديد الوضعية التراثية أمكن الحكم عليها شرعًا من خلال تلك الوضعية -أي: الظروف الزمانية والمكانية التي تمت فيها- وشخصية صاحبها، لا من خلال صورتها المطلقة، ولا من خلال وضعية كوضعية قارئ التراث.

2- الزاوية الثانية: هي واقع الشخص الدارس للتراث، فلا يفرض من المنجزات التراثية على واقعه شيئًا قبل أن يتبصر في هذا الواقع، من حيث قابليته وحاجته لهذا المنجز، حتى ولو كانت بالمعيار الشرعي مشروعة في ظرفيتها التاريخية السابقة؛ إذ قد يجد في الواقع ما ينفي شرعيتها إما بتغير الحكم فيها أو بتجاوز الحضارة الإنسانية لها (انظر في ذلك المصدر السابق، ص 352 - 353) .

(مثلًا: ابن خلدون والعلماء في العصور السابقة أنكروا الكيمياء وعدوها مثل الفلسفة الإلهية في فسادها، وإذا تبصرنا بها وجدنا أن هذه الكيمياء تتمثل في أساليب سحرية خرافية يزعم أصحابها أنه بإمكانها تحويل المعادن الوضيعة إلى معادن نفيسة كأن يحولوا التراب ذهبًا، ولا ريب أن حكمها الشرعي التحريم؛ لما فيها من دجل وسحر، فهل نأتي إلى واقعنا ونقول بتحريم الكيمياء، كلا، ننظر في الكيمياء المعاصرة فنجدها علمًا يعنى بطبيعة المادة وترتيبها وتغيراتها من خلال المنهج التجريبي الذي هو منهج شهد الشرع باعتبار أصله، فنحكم بحكم مغاير، بالإباحة لها كحكم عام، وربما وجوبًا لمقتضيات مصلحية) (المصدر السابق، ص 353) .

وعليه فإن من الضروري (أن يحمل الدارس للتراث التصور الصحيح للإسلام، والمنهجية السديدة، والوعي بعصرنا الذي نعيش فيه، حتى يتوفر في نتاج هذه الدراسات النضج الشرعي والملائمة الواقعية) (المصدر السابق، ص 363).

4- مراعاة الموضوعية:

الصفحة السابقة الصفحة التالية